من تواضع لله رفعه

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا، الحمد لله الذي خلق محمدا فأحسن تأديبه ثم أرسله إلينا هاديا ومبشرا، الحمد لله والشكر لله ولا حول ولا قوة إلا بالله ونشهد ألا إله إلا الله، خالقنا ورازقنا، بارئنا ومبدئنا، حين أراد إعطاءنا نبذة عن الحبيب قال:

لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ

ونشهد أن سيدنا وحبيبنا وإمامنا ومعلمنا وإسوتنا محمدا عبدُ الله ورسوله، حثنا على أخلاق كريمة كثيرة منها التواضع والرفق فقال:

مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً، رَفَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً، حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي عِلِّيِّينَ، وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللَّهِ دَرَجَةً، وَضَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً، حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ

إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ

أما بعد فمع الخطبة الخامسة عن نداء الإيمان الوارد في سورة الحديد الذي دعانا فيه ربنا للإيمان برسوله (اتقوا الله وآمنوا) علما بأن الإيمان به يتمثل في اقتفاء أثره والتخلق بأخلاقه r التي منها التواضع واللين والرفق والرأفة والرحمة بالمؤمنين. فهو صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين، كما سبق وأن بينا، ولكنه أيضا الرؤوف الرحيم المتواضع اللين الحليم. فتواضعه كان يضرب به المثل حتى قال عنه بعض أصحابه لعله أنس t:

إِنْ كَانَتِ الْخَادِمُ لَتَأْخُذُ بِيَدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيَمْشِي مَعَهَا فِي حَوَائِجِهَا، فَلا يَرْجِعُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهَا

فبهذا الخلق العظيم عظم شأنه صلى الله عليه وسلم ورفع له ذكر حتى علمنا بقوله:

مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً، رَفَعَهُ اللَّهُ دَرَجَةً، حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي عِلِّيِّينَ

فأين نحن من هذا السمو وأين نحن منه صلى الله عليه وسلمولا إله إلا الله والحمد لله.

الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه وآله ومن والاه. حين نتكلم عن التواضع لا نعني بذلك الخنوع والتنازل عن الحقوق والانكسار المفرط أمام الناس، وإنما نريد ذلك الخلق العظيم الذي قال عنه ربنا عز وجل:

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ

ذاك الخلق الذي يجعل الإنسان منكسرَ القلب لله، خافضا جناح الذل والرحمة لعباده، لا يعرف الكبر إلى قلبه سبيلا، فتراه عند أمر الله ممتثلا وعند نهيه مجتنبا ولعزته وكبريائه خاضعا ولهيبته مطمئنا، فإذا مشى أو لبس حذر الخيلاء وإذا كان مع مَنْ دونه عمل معه وأعانه، دائما في خدمة أهله، يمازح الصغير ويلاطفه ويوقر الكبير ويحترمه ولا يقسو أبدا على أحد ممن تحته مصداقا لقول سيد المتواضعين r:

إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْيُنَاوِلْهُ

فأي رحمة وأي رأفة وأي لين وأي حلم هذا؟ بل إن تواضعه تجاوز كل ما يمكن تخيله حتى كان صبغته، فقد جاء عن بعض صحابته، قال:

أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ أَوْ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ

بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ

اللهم إنَّا نسألك بأسمائك الحُسنى وصفاتك العلى أن ترحمنا وتغفر لنا وتردنا إليك ردا جميلا اللهم أصلح أقوالنا وأعمالنا في سِرِّنا وعَلَانِيَتِنا اللهم وانصر ولي أمرنا وأقر عينه بولي عهده والحمد لله رب العالمين.