الحمد لله رب العالمين، حمدا لك يا الله على نعمك التي لا تحصى وحمدا لك يا الله على آلائك الذي لا يستقصى، نحمدك ونشكرك كما يليق بعظيم سلطانك وينبغي لجلال وجهك ونشهد أنك الله ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه نهيتنا عن المعاملة السيئة واحتقار الآخرين فقلت في رابع نداء وجهته إلينا في سورة الحجرات وقولك دائما حق وصدق:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أوضح لنا ما ينبغي أن تكون عليه علاقة الناس فيما بينهم وفيما بين المسلمين على وجه الخصوص فقال صلى الله عليه وسلم:
الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ
بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ
أما بعد، فهذا النداء العلوي العظيم كثيرا ما نقرؤه وكثيرا ما نحفظه عن ظهر قلب ولكن للأسف قل منا من ينتبه إلى معانيه العميقة التي يحملها وواجباته الكبيرة التي يوجبها وفرائضه الأساسية التي يفرضها ولا مجال لإغفالها، فنحن هنا أمام دستور يؤسس للعلاقات الإنسانية واحترام الحقوق البشرية فمتى وُجِدَ شخصان مع بعض أو تجمعهما ظروف الحياة في مكان ما، إلا ووجب على أحدهما أن لا يسخر من الآخر ولا يلمزه ولا يرميه بألقاب لا تعجبه أو تسيء إليه حتى لا يكون من الفاسقين بله من الظالمين إن هو تأخر في توبته إلى التواب الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله و آله ومن والاه. إن مسألة السخرية خطيرة للغاية فالمسلم لا يجوز له ذلك بحال، سواء مع المسلم مثله أو مع غير المسلم لأن الذي يعيش معه في أمن وأمان، كالمسلم تماما حرفا بحرف ورقما برقم ففي الحديث عن أسامة ابن زيد رضي الله عنه:
ذِمَّةُ الْمُعَاهَدِ كَذِمَّةِ الْمُسْلِمِ
فينبغي أن نفهم من قول الحبيب « المسلم أخو المسلم » « المواطن أخو المواطن »، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، وهذا هو الأصل في الأخلاق التي يدعو إليها ديننا الحنيف المفيد بأن لا تفاضل بالأجناس والأموال وإنما التفاضل بالتقوى التي لا يزن ثقلها ولا يعرف كنهها إلا الله تبارك وتعالى. فكن حذرا واذكر دائما قول ابن مسعود المربي العظيم:
لَوْ سَخِرْتُ مِنْ كَلْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ أُحَوَّلَ كَلْبا
لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ
مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ
هذا عن السخرية، أما اللمز وهو قصد إبراز العيوب وتتبع عورات الآخرين فمثلها ودواليك ويكفينا لإظهار خطره وكبر إثمه قراءة سورة الهمزة وأما التنابز بالألقاب فهو إطلاق لقب على شخص وهو يكرهه لأن ذلك يؤذيه وقصد أذى المؤمن لا يجوز وسبابه فسوق وقتاله كفر كما ورد في الحديث. فاللهم إنَّا نسألك بأسمائك الحُسنى وصفاتك العلى إخلاصًا نقيًّا وعقلا صفيا وقلبا خاشعا ولسانا ذاكرا وخلقا ترضى به عنا. اللهم أصلح أقوالنا وأعمالنا في سِرِّنا وعَلَانيتِنا. اللهم تب علينا واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.اللهم وانصر ولي أمرنا وأقر عينه بولي عهده وأسرته وشعبه والحمد لله رب العالمين.