الحمد لله رب العالمين، يا رب إن لم نحمدك فمن نحمد، وإن لم نشكرك فمن نشكر، وإن لم نثني عليك فعلى من نثني يا ترى؟ فاللهم لك الحمد والشكر كما أنت له أهل ولك الثناء على ما أعطيت وأسديت، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك نستغفرك ونتوب إليك ونشهد أنك الله الولي الحميد ذو العز والجلال نبهتنا إلى خطورة الكلام الزائف ووعورة الألفاظ النابية والغيبة والنميمة فقلت وقولك الحق:
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ
ونشهد أن نبينا وإمامنا محمدا عبدُك ورسولك لم يعرف سيءُ الكلام إلى لسانه سبيلا، ما فتئ يُحذر من العضو الذي بين الشفتين فيقول:
مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ
أما بعد فيا عباد الله، نترك هذه المرة نداءات الإيمان جانبا، لنصب الاهتمام على خلق رفيع بدأ غيابه عن صفوف البشر يؤرق المضاجع بصفة جدِّ مقلقة ألا وهو خلق حفظ اللسان الذي أخذ به صلى الله عليه وسلم وقال:
كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ
إننا نعيش فترةً من الزمان لم يعد الناس فيها ينتبهون إلى ما يتلفظون به مما يغضب الله. أطلقوا العنان لألسنتهم تصول وتجول حتى أصبح الباب مفتوحا على مصراعيه للغيبة والنميمة والأحكام الجاهزة والتأويلات الباطلة والتكهنات بالغيب في حين أن الحبيب r يقول محذرا:
وإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ
أما الكذب فحدث ولا حرج وإنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه وآله ومن والاه. إنني حين أتكلم عن آفة اللسان لا يعني هذا فقط المحادثات الخاصة والعامة التي تجري بيننا وإنما أريد كافة أدوات التعبير، سواء كانت شفويةً أو كتابيةً أو حتى بالإشارة، متى كان فيها تعريضٌ بهيئة أو انتهاكٌ لحرمة أو طعنٌ في عرض أو إفسادٌ بين اثنين أو تشهيرٌ بشخص فقد جاء عَنْ عَائِشَةَ:
قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ بِيَدِهَا، أَيْ إِنَّهَا قَصِيرَةٌ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ مَزَجْتِهَا بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا الْبَحْرَ لَمَزَجَتْهُ
فهذا عن كلمة واحدة فما بالك عن مقالات مخصصةٍ للتشهير وبرامجَ معينةٍ للطعن وندواتٍ مُقامةٍ للجرح وأكثرُ من ذلك عن فضاءاتٍ في مواقعِ التواصل الاجتماعي لم يعد فيها حد يحبس! فالجميع يتكلم ويكتب ويلعن ويسب ويُصدر أحكاما بلا بينة، بل جميعها مبني على معطيات غير موثقة فكيف، رغم هذه الخطورة القصوى، يأبى الناس إلا أن يعتدوا على أنفسهم باستعمال أدوات التعبير التي حباهم الله بها في إسخاطه عز وجل رغم أنه تعالى يوجهنا التوجيه الصحيح ويقول:
وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ
فيظهر من هذا الكلام الرباني أن التعبير الذي يراد منه التشهير المجاني والتنقيص المغرض لا يعدو إلا أن يكون من عمل الشيطان المحرم الذي لا مكان له في حياة المسلم المحترِم لنفسه. فاللهم خذ بيدنا إلى حيث رضاك وحل بيننا وبين الفسوق والفجور كما حلت بين إبراهيم والنار اللهم عافيتَك ورحمتَك اللهم انصر ولي أمرنا وكن له الولي والنصير والمعين والظهير وأَقِرَّ عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته وشعبه وصلى الله وسلم على حبيبنا محمد وآله وصحبه والحمد لله.