الحمد لله رب العالمين نحمدك ربنا حمد الموفقين من عبادك ونشكرك إلهنا شكر المتميزين من خُلّصك، كل ذلك ونحن طالبون لهدايتك، مشفقون من سوء الخاتمة يوم الإقبال على لقائك، ونشهد ألا إله إلا أنت، حذرتنا تحذيرا قويا من اكتناز الأموال وعدم إنفاقها في سبيلك فقلت وقولك الحق:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُ الله ورسوله، سيدُ الأولين والآخرين وإمام جميع الأنبياء والمرسلين، أكد لنا هذا المعنى المفزِع فقال صلى الله عليه وسلم:
مَنْ ءَاتَاهُ اللَّهُ مَالا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعٌ أَقْرَعُ لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي شِدْقَيْهِ، يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: وَلا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَى آخِرِ الآيَةِ
أما بعد فيا أيها المؤمنون، تدارسنا في الأسبوع الماضي النداء الرابع من نداءات الإيمان في سورة التوبة، وفي هذه الخطبة نتناول بالذكر والدرس النداء الثالث! ولقد قُدِّرَ لنا هذا الترتيب المعكوس لكون النداء الثالث يتطرق لموضوع جزئي من الموضوع العام الوارد في تابعه وهو الإنفاق في سبيل الله كوجه مهم من أوجه الجهاد. يقول تعالى، ممثلا القتال بالبيع معه:
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ
فالذي ينفق ماله طائعا محتسبا، لا يتوانى في ذلك، كالذي يضحي بروحه ونفسه رخيصة في سبيل ربه، حبا في إعلاء راية دينه. أما الذي يبخل بماله ويسعى لتكديسه، مانعا بذلك المستحقين له من الاستفادة منه، فلا يعدو إلا أن يكون ممقوتا محسوبا على المطرودين والعياذ بالله والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه وآله ومن والاه. لقد قلنا في الأسبوع الماضي إن الإنفاق في ميدان المال والأعمال جزء لا يتجزأ من الجهاد في سبيل الله. ولذلك، وعلى ضوء ما جاء في نداءنا هذا اليوم، يتعين على المسلم أن ينفق مما لديه من خير في الوجوه التي أوصاه الله بها وأن لا يعمِد إلى تكديس الثروات من غير طائل، ابتغاء الغنى الفاحش الذي يجعله من الممقوتين عند الله، علما بأن الغنى الحق هو الذي يتكون عند الله تعالى بما يدخره لك بعد إقراضك الخالص إياه. قال تعالى:
مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ
وَمَا ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
نقول إذن إياك والبخل بل أَنفِقْ يُنفَقْ عليك. أنفق من مالك على أهلك في الحلال دون الحرام فذلك من أحب وجوه الإنفاق إلى الله. قال رسول الله:
دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عز وجل وَدِينَارٌ فِي الْمَسَاكِينِ وَدِينَارٌ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ فِي أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الدِّينَارُ الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ
ثم أنفق في المساكين والمحتاجين وإن استطعت أن تدخر في هذا الباب ما يمكنك من توفير قدرٍ لإقامة مشروع تجاري تجعله وقفا عليهم يُدِرُّ دخلا قارا ويؤمن مستقبل بعضهم، فذلك خير وأبقى وأبرك وأنقى. ثم أنفق في سبيل الله من أجل رفع راية الله بكل الوسائل التي سبق وأن ذكرناها في مناسبات سالفة. لا تبخل بمالك أبدا فالبخل صنو الخسران. قال صلى الله عليه وسلم:
مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُنْفِقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، مِنْ لَدُنْ ثُدِيِّهِمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا. فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فَلَا يُنْفِقُ مِنْهَا إِلَّا اتَّسَعَتْ حَلَقَةٌ مَكَانَهَا فَهُوَ يُوَسِّعُهَا عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْبَخِيلُ فَإِنَّهَا لَا تَزْدَادُ عَلَيْهِ إِلَّا اسْتِحْكَامًا
وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى
اللهم وفقنا للإنفاق الحق وباعد بيننا وبين البخل والشح كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم عافيتك ورحمتك اللهم انصر ولي أمرنا وكن له الولي والنصير والمعين والظهير وأَقِرَّ عينه بولي عهده والحمد لله رب العالمين.