الحمد لله رب العالمين، يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ولك الشكر كما يليق بكبير عفوك وجزيل عطائك، نشهد أنك الله، لا رب لنا سواك ولا معبود بحق إلا أنت، أرشدتنا إلى أعظم وسيلة للنجاح عندك والفوز بالقرب منك فقلت وقولك الحق الذي لا مراء فيه:
وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ
وجاء في ذكر أسباب الفوز يوم القيامة أنه يكون بالصدق لا غير فقال صلى الله عليه وسلم:
قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمَ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُ الله ورسوله، سيدُ الصادقين وإمام من تحلى بالصدق من الأمناء والمخلصين، بين لنا فضيلة خصلة الصدق وأنها حتما تهدي صاحبها إلى الجنة وما يتبع ذلك من نعيم مقيم فقال r:
عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا
أما بعد فيا أيها المؤمنون، إن النداء الذي سنتطرق إليه اليوم لأعظم توجيه وأجمل تعليم وأبهى هديةٍ يُهديها الله عز وجل لنا. إنه نداء الصدق القائل:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ
فهذا النداءُ نداءٌ عامٌّ موجهٌ إلى كل المؤمنين بجميع أطيافهم وسائرِ مراتبهم في كافة أعمارهم ومهما كانت ظروفهم لكي يلتزموا الصدق في أحوالهم العامة والخاصة وألا يُفسحوا للكذب مكانا يتسلل منه إليهم كما قال صلى الله عليه وسلم:
أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا
فالمؤمن الحق رجل صادق بالبداهة، نيته خالصة وكلامه لا ريب فيه وحركته لا تشوبها شائبة وهكذا ينبغي أن يكون ولله الحمد والمنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله ومن والاه. أيها البررة الكرام كم نحن محتاجون إلى تذكير أنفسنا بالصدق؛ هذه الخصلة التي أصبحت في زماننا هذا تئن تحت وطأة جفاء بني البشر. فلِكثرة انتشار الكذب في أوساطنا لم نعد قادرين على تصديق أيِّ شيء! حتى الصور المتحركة والجامدة على حد سواء أضحت كاذبة بفعل إمكانية تزويرها إلكترونيا فيُصَدَّقُ ما توحي به في حين أنها لا تمت للصدق بصلة فتنتشر الأكاذيب والإشاعات كالنار في الهشيم مع ما يعني ذلك من تدمير للعائلات وتلطيخ لسمعة الشخصيات وإيقاع بين السياسيين والسياسيات وخروج على الحكام والحكومات وتفريق للشعوب والمجموعات. الكذب أصل الفُرقة والخصام والعداوةِ بين الناس ومنه يبدأ سخط الله عليهم يتحقق فماذا دهى المسلمين حتى سلكوا بكل هذه السهولة طريق الكذب والكذابين وتركوا بكل هذه البساطة سبيل الصدق والصدِّيقين؟ أيها المسلمون، إن مناشدتنا اليوم في إعادة النظر من طرف كل فرد منا في طريقة تعامله مع ربه ليجعلها صادقة مخلصة لا يبغي بأفعاله إلا وجه الله، وفي طريقة تعامله مع غيره من البشر، فلا يقل لهم إلا حقا ولا يبادلهم إلا صدقا، وفي طريقة تعامله مع نفسه، فلا يُمَنِّيها إلا بما يقدر عليه ولا يعِدُها إلا بما يتمكن من الوصول إليه، لأن الصدق بشموليته هذه هو الكفيل الأوحد في لَمِّ أسباب السعادة فإن علم الله منك صدقا فتيقن أنه سيؤتيك على قدر صدقك:
إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا
دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ
اللهم وفقنا للصدق واجعلنا من الصديقين وباعد بيننا وبين الكذب كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم عافيتك ورحمتك اللهم انصر ولي أمرنا وكن له الولي والنصير والمعين والظهير وأَقِرَّ عينه بولي عهده والحمد لله.