الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد حتى ترضى وإذا رضيت وبعد الرضى نحمدك ربنا ونشكرك ونستهديك ونستغفرك ونتوب إليك ونشهد ألا إله غيرك، دعوتنا إلى التشمير على السواعد والقيام دائما بما يجب ثم عِبتَ علينا عدمَ الاستجابة التلقائية لدعوتك تلك، فقلت وقولك الحق:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبدُك ورسولك وصفيك وخليلك أهلٌ لكل تبجيل ومستحق لكل تعظيم، أشار إلى أهمية الجهاد في سبيلك وكيف أنك تباركت وتعاليت ترفع به منازل من يقوم به حق القيام فقال:
مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفَعَلَ ثُمَّ قَالَ: وَأُخْرَى يُرْفَعُ بِهَا الْعَبْدُ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ!
أما بعد فموعدنا اليوم، كما تتوقعون، مع النداء الرابع من نداءات الإيمان في سورة التوبة، وفيه يؤاخذ الله تعالى على عباده المؤمنين تثاقلهم عن الجهاد أي تهاونهم في الدفاع عن الدين حين يُطلب منهم ذلك وخصوصا حالةَ الاستعجال. وسببُ نزول هذا النداء ما وقع لبعض الأصحاب من فتور أثناء تجهيز أنفسهم حين استنفرهم الحبيب إلى غزوة تبوك، فظهر هنالك صدقُ كثير منهم ولكن أيضا ضعفُ إيمان بعضهم وافتضاح من كان يُضمر النفاق ممن فضل خزي القعود مع الخالفين. كان هذا هو سبب نزول النداء ولعله يخيل لبعضنا أن تطبيقه لم يعد له مكان في زماننا إذ لم يعد هناك من ينادي بالجهاد على طريقة الرسول r ولكن ليس فيه ما يفيد مثل هذه الخلاصة وهو ما سنبينه بعد جلسة الاستراحة فلله الحمد والمنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه. إن الله تعالى حين أمر عباده بالجهاد وأخذ عليهم عدم المسارعة إلى الاستجابة له، مفضلين الركون إلى الخمول، إنما أرادَ إيقاظ الهمم إلى القيام بكل ما من شأنه أن يرفع راية الدين. فالجهادُ لا يُقصد به فقط المعارك في ميادين القتال وإن كان ذلك من أنفس صوره، بل يتعداه إلى كافة أنواع التنافس المؤدية إلى النتيجة التي يتوخاها كل مقاتل. فهناك ميادينُ شتى يمكن فيها نصرُ دينِ الله بما هو أبلغ من سفك دماء العدو. ومن ذلك ميدان العلم والمعرفة. تصوروا لو كان المسلمون في مقدمة العالمين، كم كان سَيدين لهم الناس؟ أيضا ميدان المال والأعمال. لو كان للمسلمين أموال يتحكمون فيها ولا يبذرونها في التافه، كما هو حاصل عند كثير منهم، بل ينفقونها في ما ينبغي، هل كانوا سيكونون عالةً، لا خيار لهم إلا التبعيةَ للعدو؟ ثم هناك ميدانُ الصحافة والإعلام، إذ به يُسَيَّر العالم اليوم، فأين المسلمون منه وكم هو تثاقلهم فيه راضين منه بالفتات؟ وأخيرا وليس آخرا، أين نحن من الأخلاق ومجاهدة النفس عليها؟ لقد أصبحنا وللأسف يُضرب بنا المثل في سوء الأخلاق كذبا وغشا ومماطلة وغيابا للوفاء واستهتارا بالقوانين، مما جعلنا ميَّالين للدنيا، متثاقلين عن ابتغاء العليا، حتى أصبح استبدال قومٍ غيرنا قاب قوسين أو أدنى. فهلا راجعنا أنفسنا ليجعل الله فعلا كلمة الذين كفروا السفلى؟ أم أننا سنظل متمسكين باعوجاجنا طالبين لمتاع فان ليس لنا؟
وَمِنهُمْ مَن يَّقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ
اللهم وفقنا للجهاد في سبيلك والدوام على طاعتك ويسر لنا ولوج جنتك وكن لنا مُثَبِّتًا عند لقائكَ آمين. اللهم انصر ولي أمرنا وكن له الولي والنصير والمعين والظهير وأَقِرَّ عينه بولي عهده والحمد لله رب العالمين.