الحمد لله رب العالمين، أحمدك ربي حمدا كثيرا مباركا فيه وأشكرك إلهي شكرا جزيلا لا ريب ولا شبهة فيه وأشهد ألا إله إلا أنت، مولانا وخالقُنا ورازقُنا ووليُّ كافة النعمِ التي نَنْعَمُ بها ونحن غارقون فيها، كتبت علينا القتال في سبيلك حالةَ الاضطرار إليه رغم ما فيه من متاعبَ وتضحياتٍ جسام، فقلت في سورة البقرة وقولك دائما صدق وحق وبركة:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُ اللهِ ورسوله، سيدُ المجاهدين وأولُّ من استجاب لنداء رب العالمين من أجل قتال الكفار والمشركين وغيرهم من عتاة المنافقين ومَن على شاكلتهم من المتربصين بالدين، بين لنا r فضيلةَ الجهاد فقال حين سئل من طرف أصحابه عن أفضل الأعمال:
إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حَجٌّ مَبْرُورٌ
أما بعد فيا عبادَ الله، ترددت كثيرا في تحرير هذه الخطبة وذلك لأن النداء الذي سيكون موضوعا لها يطرق باب الجهاد من جديد فلم تبدُ لي الفائدةُ من تكرار موضوع درسناه من قريب ولكن توكلت على الله قائلا في نفسي هذه المرة سنخصص الكلام لذكر القتال فقط دون أنواع الجهاد الأخرى وإن كان أوانه لم يحن بعد ولا مناسبةَ تبرره. فماذا يقول لنا النداءُ يا ترى؟
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
فهذا آخرُ نداءٍ من نوعه في سورة التوبة، وإنك حين تقرؤه لأول وهلة يبدو لك وكأنه لا يترك الباب مفتوحا للرحمة والسماحة التي يدعو إليهما ديننا الحنيف. وهذا شعورٌ لا يعدو إلا أن يكون من الخطأ ووسوسة الشيطان الذي يأبى إلا أن يُضِلَّ بني الإنسان. ويكفي إعادةُ قراءته والتفكرُ قليلا في فحواه ليظهر جليا صدقُ ما نقول وهوانُ ما يُخَيَّلُ إلينا ولله الحمد والمنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه وآله ومن والاه. حين نُمعِنُ النظر في هذا النداءِ نجد فيه ثلاثةَ أوامرَ ربانية، أَوَّلُها أمرُه عز وجل بقتال الذين يلوننا من الكفار. ومعناه، أن المؤمنين لا يجوز لهم قتال إلا العدوَ المتربصَ الذي يُمثِّل خطرا محدقا بهم، فلا يجوز للمؤمنين الهجومَ على الأبرياء وإن كانوا كافرين ولا العدوانَ على الآمنين وإن كانوا مشركين أو لا دينيين. قال صلى الله عليه وسلم:
مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ
أما الأمر الثاني ففي الحزم والصرامة التي ينبغي أن يتحلى بهما المؤمن عند احتدام القتال، فلا مجال للخنوع ولا محل للامبالاة، بل على المؤمن أن يكون دائم الحذر لا يترك لعدوه مكانا يتنفس فيه، اللهم إذا طلب الصلحَ منه:
فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ
لأن المؤمن بطبيعته لا يرفع الراية البيضاء إلا إذا كانت له كافةُ الضمانات واليقينُ التام بأن عدوه يريد فعلا الصلحَ معه ويميلُ إلى السَّلم، قال تعالى:
وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
ثم هناك الأمر الثالث الذي يُعْلِمُنَا فيه عز وجل بأنه مع المتقين ومعناه أنه تعالى يضع نفسه دائما في صف المتقين إعزازا ونصرا، ولكن أيضا معناه وجوب الانتباه إلى ضرورة الالتزام بالتقوى في كل الأحوال وخصوصا عند القتال فلا ظلم ولا جَور ولا اعتداء على حدود الله، كما قال الصديق:
أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، لا تَعْصُوا وَلا تَغُلُّوا وَلا تَجْبُنُوا وَلا تَهْدِمُوا بَيْعَةً وَلا تُغْرِقُوا نَخْلًا وَلا تُحْرِقُوا زَرْعًا وَلا تُحْسِرُوا بَهِيمَةً وَلا تَقْطَعُوا شَجَرَةً مُثْمِرَةً وَلا تَقْتُلُوا شَيْخًا كَبِيرًا وَلا صَبِيًّا صَغِيرًا. وَسَتَجِدُونَ أَقْوَامًا قَدْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّذِي حَبَسُوهَا، فَذَرُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
اللهم أعنا على التقوى واجعلنا من المحسنين وباعد بيننا وبين الفجور كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم عافيتَك ورحمتَك اللهم انصر ولي أمرنا وكن له الولي والنصير والمعين والظهير وأَقِرَّ عينه بولي عهده والحمد لله.