الحمد لله رب العالمين، نحمدك ربنا حمدا لا نحمده أحدا سواك ونشكرك شكرا لا نشْكُرُهُ أحدا غيرَك ونشهد أنك الله، فالق الحب والنوى ومقدر الأمور على الشكل الذي به الكون استوى، طالبتَ المؤمنين بهجر الشرك والمشركين فقلت بما لا يدع ريبا في مخيل كل من يستمع إليك من المستمعين:
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُ الله ورسوله وصفيه وخليله بين خطورة الشرك وأن الله عز وجل يتبرأ تبرؤا تاما من أصحابه فقال صلىالله عليه وسلم:
قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ
وهل هناك عبادَ اللهِ أمرٌ في هذه الدنيا أخطرُ من أن يتخلى عنك اللهُ عز وجل فيتركك وشأنَك تَسْبَحُ في غياهب الضلال تظن أنك بخير ولكن في الحقيقة أنت أقرب إلى الهلاك منه إلى الفوز والراحة والاطمئنان؟ قال تعالى:
إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا ءَايَاتِي وَرُسُلِي هُزُؤًا
تأمل كيف تم التحذير من حالةٍ لربما يوجد فيها بعضنا وهو لا يشعر وهذه الحالة هي التي وقع فيها المشركون حين تخلى عنهم الله بعد أن آثروا البقاء على معصيته فإذا بهم يُطرَدون طردا مما كانوا فيه من الأمن والرفاهية والرخاء. يقول تعالى في النداء الثاني من نداءات الإيمان في سورة التوبة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
لقد وقع هذا في السنة التاسعة من الهجرة بعد أن قضى المشركون سنوات طويلة في العز والسؤدد والكبر والتمرد على الله حتى لم يكن أحد يتصور أن حكمهم سيزول يوما بهذه السهولة ولكنه قدر الله المحتوم الذي يصيب كل ظالم وكل خارج عن طاعة الله تعالى ولو بعد حين والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه. لعل نداءنا لهذا اليوم سيجعلنا، أكثرَ من غيره، نتساءل عن الفائدة من تدارسه، لكونه لا يعنينا مباشرة فهو موجه بالخصوص إلى أصحاب النبي وشديدُ الالتصاق بسبب نزوله فلا يكاد يوحي لنا بدرس أو عبرة ظاهرة نأخذها منه ولكن هيهاتَ هيهات لا ينبغي التسرع في الحكم، فرغم إحساسِنا بصعوبة تنزيل فحواه في واقعنا المعيش، نحن متيقنون بأن عبره ستبزغ لنا بمجرد تدبره والتأمل في ما جاء فيه من معان. إن الله Y يوجه عباده المؤمنين، على مر العصور، إلى اعتبار الشرك به ظلما كبيرا لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يعطوه حيزا، ولو ضيقا، في حياتهم. بل ينبغي لهم أن يطردوا عنهم كل ظواهره ثم لا يمكنوا لأصحابه أبدا وإن كان ذلك سيؤدي بهم إلى ضياع بعض الفوائد الدنيوية وهذا هو معنى قوله Y بعد أمره بإبعاد المشركين:
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
هذا من أعظم الدروس الباطنة في التوكل. المسلم لا يحابي في المعصية من أجل ابتغاء الرزق، لأن الرزق بيد الله وإن ظهر لك العكس، فإن ذلك لا يعدو أن يكون إلا من تزيين إبليس، عدوِّ الله. جاء في الحديث عن ثوبان:
لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ
وهذا معناه كما قَالَ بعضهم أَنَّ الذَّنْبَ لا يَحْرِمُ الرِّزْقَ الَّذِي رُزِقَ الْعَبْدُ بَلْ يُكَدِّرِ عَلَيْهِ صَفَاءَهُ إِذَا فَكَرَّ فِي تَعْقِيبِ الْحَالَةِ فِيهِ، أي المذنب لا يستفيد من الرزق الذي يُرزَقُهُ وإن رُزِقَه. فاحذر أن تكون من المحرومين بسبب معاصيك. فاللهم وفقنا للدوام على طاعتك ويسر لنا ولوج جنتك وكن لنا مُثَبِّتًا عند لقائك، آمينَ آمين. اللهم انصر ولي أمرنا وكن له الولي والنصير والمعين والظهير وأَقِرَّ عينه بولي عهده والحمد لله رب العالمين.