الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي لا يجوز الحمد إلا له، نحمده تعالى حمدا طيبا مباركا فيه، ونشكره عز وجل شكرا واسعا عاما لا ريب فيه ونشهد أنه الله ربُّ الأرباب وعاتقُ الرقاب، أنزل على عبده الكتاب، آمرا إياه بتبليغ ما جاء فيه من البينات وفصل الخطاب فقال وإليه Y المآب:
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَاتِهِ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُ الله ورسوله كان أكبرُ همه تبليغَ ما أوحى به الله إليه، إذ جاء عنه في إحدى آخر خطبه أنه r قال:
فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ
أما بعد، فإن من أعظم الأمور التي بلغها لنا رسول الله أنه لا يجوز للمؤمنين بأي حال من الأحوال أن يعطوا الدنية في دينهم ولا أن يُوَلُّوا الدُّبُرَ عِند لقاء عدوهم وذلك إبراءً لذمتهم فقال في ما صح عنه من بيان الموبقة السادسة من الموبقات السبع: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ فَذَكَرَهُنَّ، وَذَكَرَ فِيهِنَّ التَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ. وهذا أمر لا يخفى على لبيب في القرآن الكريم. عبادَ الله إن الله تبارك وتعالى يحذرنا من الخيانة العظمى فيقول في النداء الأول من نداءات الإيمان في سورة الأنفال:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ
وهذا عبادَ الله هو نداء الشجاعة والإقدام والثبات الذي ينبغي للمؤمن أن يتحلى به عند كل معضلة. فالأصل، حين يتخذ المؤمن قرارا صائبا في حياته أن لا يترك للريب مجالا يتسلل منه إلى نفسه بل يقدم متوكلا على ربه لا يخشى في الله لومة لائم، عملا بقول مولاه عز وجل:
فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
فاللهم اجعلنا حقا من المتوكلين وتب علينا يا تواب يا رحيم والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. المؤمن الحق لا يتراجع عن قراراته الصائبة، خوفا من تبعاتها أو تحسبا لمخلفاتها السيئة المحتملة، اللهم إذا كان تراجعه ذاك استراتيجيا يروم من ورائه تنفيذا أفضل لخطته التي سطرها أو التي من أجلها اتخذ قراره الأصلي. فالمهم عنده أن لا تنصرف نيته إلى الخذلان والتخاذل، ولهذا قال ربنا تبارك وتعالى مباشرة بعد نهيه عز وجل عن تولية الأدبار للأعداء:
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
فحين يكون في جهاد، أيا كان نوع هذا الجهاد، دفاعيا أو إعلاميا أو علميا أو وظيفيا أو أخلاقيا أو سلوكيا أو ما إلى ذلك، فإن المؤمن لا تحدثه نفسه أبدا بالهروب أمام مسؤولياته، بل يواجهها بكل شجاعة وإقدام، فإذا ما تبين له أنَّ ثمَّةَ حلا أفضلُ يوصله إلى الهدف المنشود دون تكبد خسائر أو تحمل مشاقَّ زائدة فلا بأس حينئذ من اللف حول المواجهة، على أساس أن تبقى نيته الأولى والأخيرة مرتبطة بنصرة دين الله والعمل على إظهار الحق ليس إلا! وإلا كان جرمه موجبا للعذاب، اللهم إذا سارع المذنب إلى التوبة وطلب العفو. فقد جاء في حديث الحاكم عن ابن مسعود t:
مَنْ قَالَ أَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ ثَلاثًا، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَ فَارًّا مِنَ الزَّحْفِ
اللهم ثبتنا، اللهم ثبتنا، اللهم ثبتنا. اللهم اجعلنا من عبادك المتقين ويسر لنا السبيل إلى الفوز برضاك وولوج جنة النعيم! اللهم الطف بنا واغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم لطفك يا قوي. اللهم لطفك يا عزيز. اللهم لطفك يا لطيف. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. اللهم انصر ولي أمرنا وكن له الولي والنصير والمعين والظهير وأقر عينه بولي عهده وأسرته وشعبه والحمد لله رب العالمين.