الحمد لله رب العالمين، الحمد لله خالق السماوات السبع والأرضين ومنزلِ على عبده الكتابِ المبين، نحمده تعالى في كل وقت وحين وكلما صعدت أنفاسنا أو نزلت، شاكرين مطمئنين، نشهد أنه الله ولي الصالحين القائلُ عن صفوة عباده في محكم تنزيله الخاتمِ الكريم، مبشرا إياهم بالفوز العظيم:
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا خاتمُ النبيئين وإمامُ المرسلين، أوضح أن تقوى الله هي خير معيار لنيل القرب منه والفوزِ برضى رب العالمين فقال:
إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِيَ الْمُتَّقُونَ، مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا
أما بعد، فنخصص خطبتنا لاستحضار نداءات الإيمان السبعة الأخيرة من سورة المائدة والتي تناولناها بالدرس والتحليل في الخطب قبل رمضان وبعده. فبالتكرار يتم في الأذهان الاستقرار. وإنما يدفعنا لذلك كون تلك النداءات تُجمِع على دعوتنا معاشر المؤمنين إلى التزام التقوى إما باللفظ الواضح وإما بالتعريض. وهكذا نجد في النداء الأول الذي ينهى فيه ربنا عن الاعتداء وتحريم طيبات ما أحل الله لنا، قوله تعالى في آخره:
وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُومِنُونَ
أما النداء الثاني ففي تحريم الخمر والميسر والدعوة إلى طاعة الله ورسوله وهذا لعمري هو عين التقوى. يقول تعلى في آخر هذا النداء:
وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ
أما النداء الثالث فيقول فيه ربنا تبارك وتعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
ومخافة الله جل جلاله بالغيب هي عين التقوى، كما سبق وأن بينا، لأن التقوى هي تحاشي فعلِ الحرام توقيرا لأمر الله عز وجل، سواء في السر أو في العلن! فاللهم بلغنا منازل المتقين ويسر لنا سبل الارتقاء في سجلات الصالحين وصلى الله وسلم علم محمد الأمين والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. النداء الرابع من نداءاتنا المطلوبة للتذكير بها في هذا اليوم السعيد، يُحَرِّمُ فيه تعالى على المؤمنين قتل صيد الحرم وكذا قتلَ الصيد مطلقا حين يكون المرء محرِما ويكفي في الاستدلال على أنه دعوة لالتزام التقوى أنه مختوم بقوله تعالى:
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
ثم هناك النداء الخامس الذي يقول فيه المولى سبحانه وتعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ
وهو نداء يدعو للتقوى بالتعريض لأن عدم الدخول في تفاصيل الأشياء التي من شأنها أن تَسُوءُ فلا تُقبل هو عين تحري الاستقامة بتحاشي التمرد على أوامر الله. وأما النداء السادس فدعوة إلى مواصلة فعل الخير مهما كانت الظروف وعدم الالتفات إلى المثبطين الذين يسعون إلى إيقاف عجلة المعروف بالنيل من أصحابه. وهو الذي يقول فيه تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
وأما السابع والأخير فحسبنا أننا درسناه في الأسبوع الماضي ونحن على عهد قريب بالنهي عن الزور وشهادته والفسق وأمارته ودعوة الناس إلى الشهادة بالحق وذلك عين التقوى إذ قد ختم الله نداءه هذا بقوله:
ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
اللهم اجعلنا من المتقين ويسر لنا السبيل إلى الفوز برضاك وولوج جنة النعيم! فاللهم الطف بنا اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. اللهم لطفك يا قوي. اللهم انصر ولي أمرنا وكن له الولي والنصير والمعين والظهير وأقر عينه بولي عهده والحمد لله رب العالمين.