الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى أن وفقنا للصيام والقيام ونشكره عز وجل على فضله وكرمه حين وجهنا لذكره وتلاوة القرآن ونشهد أنه الله الواحد الأحد الديان نوه بالمخبتين من عباده في رمضان وفي غير رمضان فقال تقدست أسماؤه وهو الكريم المعطي المنان، ذو الجلال والإكرام:
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا وإمامنا وقدوتنا محمدا أكرم من رأى النور من ولد عدنان وأفضل من مشى على الأرض من الأنام، خطب ذات يوم في أصحابه بمناسبة قدوم رمضان فقال كما روى ذلك سيدنا سلمان:
قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يَزْدَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ، قَالُوا: لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ. فَقَالَ: يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ أَوْ مَذْقَةِ لَبَنٍ. وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، مَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ. وَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: خَصْلَتَيْنِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ وَخَصْلَتَيْنِ لا غِنًى بِكُمْ عَنْهُمَا، فَأَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ: فَشَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَتَسْتَغْفِرُونَهُ، وَأَمَّا اللَّتَانِ لا غِنًى بِكُمْ عَنْهَما: فَتَسْأَلُونَ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ. وَمَنْ أَشْبَعَ فِيهِ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ
أما بعد، فيا أيها الكرام، إن هذا الحديث أصل في الدعوة إلى الاستزادة من الخير في شهر رمضان إذ ذكر جملة من أنواع البر التي يمكن إتيانها في هذه الأيام فتكون فصلا لإدراك الرضوان فما أحوجنا إلى التذكير بها وقد دخلنا في أواسط المغفرة من رمضان، أحصيت منها أربعا والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه. أما النوع الأول من أنواع البر هذه فالصبر، على الجوع والعطش ولكن أيضا في الأذى وأداء الفرائض وترك المنهيات والسهر في سبيل الله راجين رحمة الله الذي يقول:
إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ
وأما النوع الثاني من البر المطلوب فالمسارعة إلى المواساة وقد ذُكرت هذه في الحديث على ثلاثة أوجه كل واحدة منها تنسيك الأخرى لعظمها. أما الأولى فإفطار الصائم ولو بأقل شيء حين قال مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ. فلنكن جميعا في الموعد ولنحرص على إحياء هذه السنة العظيمة، فاتقاء النار يكون ولو بشق تمرة. وأما الثانية ففي قوله r مَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ والمملوك هنا طبعا، بمعنى العبد ولكن أيضا في زماننا هذا الخادمِ وكلِّ من يكون تحت الإنسان من رعية استرعاه الله إياها، فترفق بزوجك وارحم ولدك ومد يد العون لمستخدَمِك ولتلميذك ولعونك ولا تكن أبدا من الجبارين وإياك ثم إياك أن تؤخر أجرا لمن يعمل عندك أو لمستحِق له مهما كان ضئيلا فإن ذلك من أعظم الذنوب عند الله والعياذ بالله. وأما الثالثة ففي إشباع الصائم فوق إفطاره، فكن كريما ولا تبخل عن نفسك فتحرمها من حوض الحبيب والشرب بيده. وأما النوعان الأخيران من أنواع البر المطلوبة وهما الذكر والاستغفار ثم سؤال الجنة والتعوذ من النار فلعلنا نعود إليهما في قابل الأيام. فاللهم يسر أمورنا وثبت أقدامنا وكن لنا حيث كنا. اللهم اجعلنا من أوليائك واكتبنا في سجل أحبائك وكن لنا ولا تكن علينا وتقبل منا صيامنا وقيامنا. اللهم انصر ولي أمرنا وكن له الولي والظهير والمعين والنصير وصل اللهم على نبينا والحمد لك يا ربنا.