وأن تعفوا أقرب للتقوى
الحمد لله رب العالمين الحمد لله الذي ألف بين قلوب المؤمنين فجعلهم في الجنة إخوانا على سرر متقابلين والحمد لله الذي جعل الأخوة أصلا من أصول الدين والمحبة عنوانا لِإيمان الفرد ترده عند الخصام إلى رشده بيقين ونشهد أنه الله ولي المتقين بين أن طريق الجنة يمر باحتراف التقوى في كل وقت وحين فقال سبحانه:
سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالاَرضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
ثم بين جل في علاه صفاتِهمُ العالية مجملا إياها في الإنفاق على كل المستحقين في السراء كما عند الضيق من غير تمييز ولا تقتير مشين ثم في الإحسان للمسيئين والعفو عنهم ولو بعد حين فقال جل جلاله في معرض كلامه عن المتقين:
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
ثم وسع سبحانه وتعالى رحمته فأدخل في دائرة المتقين كلَّ التائبين من المذنبين ولو كان ذنبهم هو الشرك أو الفاحشة المغلظة فما بالك بما يختلف فيه وعليه من أمور الدنيا والدين فلله الحمد رب العالمين القائل بعد ذلك وهو أصدق القائلين:
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً اوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَـئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا وإمامنا ومعلمنا الأعظم محمدا عبدُ الله ورسولُه بين مقتضيات الأخوة التي يدعو إليها القرآن فجعلها عنوانَ الإيمان فقال صلى الله عليه وسلم:
لَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ وَلَا يَخْذُلُه. كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ. التَّقْوَى هَاهُنَا، التَّقْوَى هَاهُنَا، يُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثًا، بحَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ
أما بعد فعنوان هذه الخطبة التي لا تندرج في نداءات الإيمان والتي سنعود إلى ذكرها في الأسبوع المقبل بحول الله، العفو عند المقدرة والرجوع إلى الرشد والوقوف عند حدود الله كلما اقتضى الأمر ذلك؛ واختياري لهذا الموضوع أملته علي شدة حاجتنا إليه وكثرة نسياننا له وتغليب مصالحنا الخاصة على الأخوة التي نتشدق بكونها بيننا في حين أنها غائبة والرجاء في الله والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه وآله ومن والاه. إلى متى سيبقى الخصام سائدا فينا ومحاكمنا لا تكاد تخلو من المتسابين ولا من المتربصين بأحوالٍ يجنون من ورائها السحت على ظهر المتباغضين فإذا نظرت في أسباب ذاك التباغض وجدت ما ليس له قيمة تذكر بل لا مبرر له أصلا لإحداث تخاصم بين من هم مبدئيا من لمتحابين فهلا راجعنا أنفسنا وتذكرنا قول ربنا حين قال:
وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ / وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
هناك من سيقول ولكن فلانا تعامل معي معاملة سيئة للغاية فكيف لي أن أغفر له وهو الذي فعل وفعل، والجواب هو: ألا تحب أن يُغفر لك بمغفرتك له؟ بالله عليكم، هل هناك إساءةٌ أكبر من تلك التي وقعت لسيدنا أبي بكر حين نال من عرضه ابنُ خالته وكان ينفق عليه فقرر رضي الله عنه أن يحبس عليه نفقته وطَرْدَهُ من دائرته فإذا بالقرآن الكريم ينزل من فوق سبع سماوات ليقول له:
وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
وفي الحديث عن أنسٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ إِذْ رَأَيْنَاهُ ضَحِكَ، حَتَّى بَدَتْ ثَنَايَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ:
رَجُلانِ جَثَيَا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّ الْعِزَّةِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: خُذْ لِي بِمَظْلَمَتِي مِنْ أَخِي. قَالَ اللَّهُ: أَعْطِ أَخَاكَ مَظْلَمَتَهُ. قَالَ يَا رَبِّ لَمْ يَبْقَ مِنْ حَسَنَاتِي شَيْءٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلطَّالِبِ: كَيْفَ تَصْنَعُ بِأَخِيكَ وَلَمْ يَبْقَ مِنْ حَسَنَاتِهِ شَيْءٌ؟ قَالَ: يَا رَبِّ، فَيَحْمِلُ مِنْ أَوْزَارِي فَفَاضَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ ذَاكَ لَيَوْمٌ عَظِيمٌ يَحْتَاجُ فِيهِ النَّاسُ إِلَى أَنْ يُحْمَلَ عَنْهُمْ مِنْ أَوْزَارِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ لِلطَّالِبِ ارْفَعْ بَصَرَكَ، فَانْظُرْ فِي الْجِنَانِ فَيَرْفَعُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: أَرَى مَدَائِنَ مِنْ فِضَّةٍ وَقُصُورًا مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلَةً بِاللُّؤْلُؤِ، لأَيِّ نَبِيٍّ هَذَا؟ لأَيِّ صِدِّيقٍ هَذَا؟ لأَيِّ شَهِيدٍ هَذَا؟ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: هَذَا لِمَنْ أَعْطَانِي الثَّمَنَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَمَنْ يَمْتَلِكُ ثَمَنَ هَذَا؟ قَالَ: أَنْتَ تَمْلِكُهُ. قَالَ: بِمَ؟ قَالَ بِعَفْوِكَ عَنْ أَخِيكَ. قَالَ يَا رَبِّ، فَقَدْ عَفَوْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: خُذْ بِيَدِ أَخِيكَ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يُصْلِحُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فاللهم ارحمنا وكن لنا حيث كنا اللهم أعل رايتنا وارحمنا وموتانا واشفنا ومرضانا وتب علينا يا ربنا وانصر اللهم ولي أمرنا وكن لنا وله والحمد لله.