ضرورة المحاسبة الذاتية الدورية
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى أنْ أحيانا إلى أنْ أدركنا هذا اليومَ ونحن في صحة وعافية ونشكره جل وعلا أن مكننا من بلوغ هذه الساعة ونحن مؤمنون غير مشركين به فنسأله سبحانه وتعالى المزيد ونشهد أنه الله الواحد دعانا إلى الاتعاظ بكلِّ ما يحيط بنا من مخلوقات وكلِّ ما يجري فينا من أحداث وكلِّ ما يقع من حولنا من مصائب وكلِّ ما يحدث في حياتنا من أمور فقال جل شأنه:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
/ أَفَلا تَذَكَّرُونَ / تَعْقِلُونَ / يُؤْمِنُونَ / تَتَّقُونَ / تَسْمَعُونَ / تُبْصِرُونَ / يَشْكُرُونَ /
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا عبدُه ورسولُه حث المسلمين على المحاسبة الدورية لأنفسهم وعدم التعويل على الأوهام في معاشهم فقال صلى الله عليه:
الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ
وعلق الترمذي على الحديث فقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ أي حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا، وَيُرْوَى عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: لَا يَكُونُ الْعَبْدُ تَقِيًّا حَتَّى يُحَاسِبَ نَفْسَهُ كَمَا يُحَاسِبُ شَرِيكَهُ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ وَمَلْبَسُهُ. عبادَ الله، فكما تواعدنا على ذلك، خطبة اليوم تدور حول ضرورة محاسبة النفس بشكل تلقائي ودوري وذلك بمناسبة بلوغنا الخطبة المتمة للمائة السادسة من على هذا المنبر المبارك وما فعلنا هذا إلا نوع من الاستعداد لما بعد الموت لأن الأيام تمر والأعمار تنقضي ولا ينتبه إلا أولوا الألباب الذين لا تغرهم الدنيا بزخارفها ولا بشهواتها فيبقون متعلقين بالله سائلين إياه الثبات إلى الممات. فعن أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ:
يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ
فاللهم ثبت قلوبنا على دين الإسلام واصرفها إلى طاعتك يا حنين يا رحمن.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. محاسبةُ النفسِ أيها الإخوة تستوجب منا يقظة تدفعنا إلى إعادة ترتيب الأوراق والنظر في ما سبقَ وأن عملناه هل هو مرضٍ لله أم يجرنا إلى مسالك الهلاك. فعليك أيها المسلم أن تسائل نفسك كل يوم عند إيوائك إلى فراشك عن كل كلمة تفوهت بها وعن كل حركة أقدمت عليها وعن كل فعل اقترفته ثم لا تخلُد إلى النوم إلا وقد حددت وقتا تستغفر فيه حتى ولو مر يومك كاملا وأنت تصلي؛ وتذكر دائما قوله جل شأناه:
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
كَانُوا قَلِيلاً مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا
وبخصوص خطبنا هذه التي نلقيها من على هذا المنبر، ألا يليق بنا أن ننظر في فحواها وفي مدى نجاعتها وطيب أثرها وهل أدت مهمتها على الوجه الذي يرضي ربنا؟ أم نسترسل فيها غير مكترثين بمن ينصت إليها غير متسائلين هل تفيد سامعها أم لا؟ فالأصل أيها الأحبة أن يكون هناك تواصل في ما بيننا للعمل على الارتقاء بالمنهج المتبنى حتى نصحح المسار فما اجتمعت أمة النبي على ضلال وما خسر المتناصحون أبدا، بل هم أولى بالنجاة من غيرهم:
وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
فلا تبخلوا علي بملاحظاتكم الطيبةِ النيرة ولا يغلبن عليكم الشح فيمنعني نصائحكم وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فاللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبينا محمد وآله وصحبه. اللهم ارض عنا ورضنا بك وأكرمنا بما أكرمت به أولياءك الصالحين واجعلنا منهم يا رب العالمين اللهم اغفر لنا وتب علينا واهدنا وارحمنا وكن لنا حيث كنا ولا تكن علينا ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا. وانصر اللهم ولي أمرنا نصرا عزيزا تعز به الوطن والدين وترفع به راية الإسلام والمسلمين واحفظه في ولي عهده وأسرته وشعبه والحمد لله.