كيف نحيي ليلة القدر؟
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى حمد من علم عظيم نعمه ووقف على جزيل عطائه ونشكره جل وعلا شكر من ذابت نفسه في الاعتراف بآلائه وانهمك غير قادر في تعداد نعمائه، ونشهد ألا إله إلا هو واحدٌ أحد لا شريك له في عُلى صفاته وحسنى أسمائه تكرم على عباده المؤمنين بمواسم الخير منها أعظم ليلة على إطلاقه فقال جل جلاله في محكم ما أوحى به إلى إمام رسله وأنبيائه:
إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُه ورسولُه أشار إلى تلك الليلة المباركة وعظيم شأنها وأجر من يحييها حق إحيائها فقال صلى الله عليه وسلم في ما صح عنه:
مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ، فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي
أما بعد فيا عبادَ الله نحن الآن في العشر الأواخر من شهر رمضان بل في السبع البواقي منه فلا ينبغي أن نغلب عليها. لقد دنا منا فضل هذه الليلة وآن أوان البحث الحثيث عنها والحرصِ الكبير على الاجتهاد فيها من أجل إدراكها لعلنا نصيب بعضا من خيرها. إلا أن السؤال المطروح هو كيف البحث الصحيح عنها وما هي أقوى طريقة للاجتهاد فيها! فجل الناس يقتصرون على الطواف في المساجد بحثا عن أجود القراء حتى أصبح هذا هو الوجه الأبرز في إحياء تلك الليلة وخصوصا ليلة السابع والعشرين التي لا يبقى بعدها في دور العبادة إلا فتات المصلين! ألا إن البحث عن ليلة القدر يفرض علينا تشميرا على السواعد ابتداء من دخول أول ليلة من العشر المباركات إلى آخر ليلة منها لأن الأجر الموعود لا يوزع إلا في هذه الأخيرة لا قبلها فمن وجد فيها متعبدا يبغي القرب من الله نال ما بحث عنه ومن افتقد فإنما يوشك أن تضيع عنه فرصته لا قدر الله. وفي الحديث أنه يُغْفَرُ لَلصائمين في آخِرَ لَيْلَةٍ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ: لا وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ فلنثبت إلى أن نلقى فضله وأجره غير منقوص ولا يسعنا في الأخير إلى قول الحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. هذا عبادَ الله عن كيفية البحث عن ليلة القدر وضرورة الاستمرار في العمل إلى آخر المطاف دون الاكتفاء بالسابع والعشرين كما هو معهود عند جل المسلمين. ولا فائدة بالاحتجاج بحديث أبي الذي يقسم فيه أنها في السابع العشرين فتأويله أنها كانت كذلك في تلك السنة التي كان يتكلم عنها رضي الله عنه. أما القول الحق في كونها تنتقل في العشر الأواخر من سنة لأخرى. وأما أقوى طريقة للاجتهاد فيها فلا تكمن في الاقتصار على التراويح والقيام وإنما هو وجه من وجوه الاجتهاد له فضله إذا واكبه حرص من المصلي على ترك أذى إخوانه داخل المسجد كما خارجه. أما داخله فعليه أن ينتبه إلى هيئته ونظافته وأن لا يتخطى الرقاب وأن لا يرفع صوته وأن لا يشوش على إخوته بكلام في غير محله فإن هو فعل كان له بإذن الله الأجر المبشر به وإلا حصل له من الوزر ما لم يأت من أجله! وأما خارج المسجد فعجبا لمن يأتي بسيارته فيوقفها في مكان يدل على أنانيته غير آبه بمصلحة غيره. ثم إذا هو خرج نهر الحارس ومنعه أجرته ونظر بازدراء إلى المساكين من حوله. فاللهَ الله على ذهاب أجره وذوبان فضله. ثم إن الاجتهاد المطلوب ليس في التماسها فحسب بين أعمدة المساجد وإنما في تصفية القلوب من الضغائن والكراهية والحقد الحسد. فضل ليلة القدر أيضا في صلة الرحم وإطعام المسكين وكسوة العار وتأمين الخائف ورفع المظالم وكفالة الأيتام ورفع الحرج عن المرضى ومساعدة الضعفاء. ابحثوا عن فضل ليلة القدر في إرضاء الرب بالإقلاع الفوري عن الذنوب وصناعة المعروف فتلكم وجوه الاجتهاد المسنون طلبه في تلك الليلة فلا تتوانوا في الأخذ بها لنيل جائزة المولى فاللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبينا محمد وآله وصحبه. اللهم يا من يسمعنا ويرى مكاننا ويجيب دعاءنا ويقبل رجاءنا، تقبل منا صيامنا وأْجُرْنَا على قيام هذه الليالي ولا تحرمنا إدراك ليلة القدر بعمل ترضى به عنا وانصر اللهم ولي أمرنا نصرا تعز به الدين وترفع به راية المسلمين واحفظه في ولي عهده والحمد لله.