استحضار نداءات الإيمان الواردة في سورة آل عمران
الحمد لله رب العالمين نحمدك ربي ونشكرك ونستهديك ونستغفرك ونشهد ألا إله غيرك، سبحانك من إله كريم ورب عظيم، أفضت علينا من نعمك الكثيرة ما لا نقدر على إحصائه ولن نتمكن أبدا من تعداده، فلك منا الحمد كله ولك منا الشكر كله وإليك يرجع الأمر كله، سره وعلانيته، شرفتنا بنداءات الإيمان في القرآن فوجهتنا بها إلى خير السبل وأكمل المناهج فقلت وقولك الحق:
إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُه ورسوله ما فتئ يوجهنا إلى الأخذ بتعاليم القرآن ويحثنا على تطبيق ما جاء فيه من البيان فيقول كما هو في السنن:
أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَقَالَ عَلِيٌّ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ
أما بعد فموعدنا، في آخر جمعة قبل شهر رمضان، مع استحضارٍ لنداءات الإيمان التي وردت في سورة آل عمران. وعدد هذه النداءات سبعة يتصدرها التحذير من مسايرة ضلالات أهل الكتاب حيث يقول ربنا عز وجل فيه:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
فما أحوجنا إلى تدبر كتاب ربنا والعمل بما علَّمَنا إياه حبيبنا، لنكون في منأى عن الزيغ، مبتغين تقوى مولانا ومعتصمين بحبله وهو القائل سبحانه في ثاني نداءاته:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
إن هم المسلم في هذه الدنيا أن يثبت على دينه إلى أن يلقى ربه ثم أن يحافظ على ود إخوانه رادا عنه كل أسباب التفرقة والشقاق فقد قال الله بعد ذلك:
وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا
فاللهم اجمع كلمتنا على الحق وكن لنا أنى كنا وآخر دعوانا أن الحمد لله ربنا.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله ومن والاه. أما النداء الثالث فيصب في نفس المضمار حيث يعاود ربنا نهيه لنا عن موالاة أهل الكتاب وخصوصا الذين لا يبادلوننا مشاعر الود ولا يتمنون لنا إلا سوء وإن لم يفصحوا عنه:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ
ثم جاء النداء الرابع فأعطى مثالا ملموسا لضلالات أهل الكتاب التي لا ينبغي للمؤمنين اتباعها ولا الأخذ بها فقال سبحانه ناهيا نهيا قطعيا عن أكل الربا:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُواْ النَّارَ
الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
ثم عاد سبحانه وتعالى في ندائه الخامس إلى توسيع نطاق نهيه عباده المؤمنين عن طاعة غيرهم، داعيا إياهم وضع ثقتهم كاملة فيه فقال جلت قدرته:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلاَكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ
فالمؤمن الحق هو الذي لا تؤثر الأحداث على يقينه مهما كان وقعها عليه سلبيا فيبقى متشبثا بحبل ربه لا يصده عن دينه كرب ولا هول ولا ينجرف أبدا مع دعوات الإغراء وحملات التضليل مصداقا لما جاء في النداء السادس:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
فهو مثال عظيم للصبر على المبدأ يتواصى وإخوانه بذلك لا يتوانى في المرابطة على الخير مدافعا عن حوزة عقيدته ودينه تماما كما قال جل وعلا في ندائه الأخير:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
فاللهم ارحمنا ووفقنا لفهم ديننا كما تحب ذلك وترضاه منا. اللهم اجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين آمين. اللهم استرنا وكن لنا ولا تكن علينا واغفر لنا يا ربنا. اللهم انصر ولي أمرنا نصرا عزيزا تعز به الوطن والدين وارفع شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه والحمد لله رب العالمين.