الصبر والمصابرة والرباط طريق الفلاح
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى حمدا هو أهل له ونشكره جل وعلا شكرا لا غبار عليه ولا تقصير فيه ونشهد أنه الله الذي لا إله غيره ولا رب لنا سواه وجهنا سبحانه وتعالى في غير ما مرة في كتابه العزيز إلى طرق الفلاح المتعددة عسانا نأخذ بها جميعا أو ببعضها فنسلكَها فكان من بين تلك التوجيهات:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُ الله ورسوله بين إحدى هذه الطرق فقال كما أخرج ذلك الإمام أحمد عن ثوبان بنِ يجدد القرشي رضي الله عنه:
اسْتَقِيمُوا تُفْلِحُوا وَخَيْرُ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ
وفي مستدرك الحاكم عن أبي دَاوُد بْنِ صَالِحٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: يَا ابْنَ أَخِي، هَلْ تَدْرِي فِي أَيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا؟ قَالَ: قُلْتُ: لا، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ:
لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ غَزْوٌ يُرَابَطُ فِيهِ وَلَكِنِ انْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ
أما بعد فنعود إلى دراسةِ نداءات الإيمان ومع النداء الثامن عشر، نداءِ الصبر والمصابرة والرباط الذي ختم به ربنا سورة ءال عمران وما جاء فيها من حديث مطول عن هزيمة المسلمين في أحد وما أدت إليه من تسرب الشك إلى أذهان بعضهم ما جعل ضروريا تذكيرُهم وردُّهم إلى جادة الصواب! إن هذا النداء يتعدى سبب نزوله فيسري مفعوله أنى كان هناك مؤمنون! فبدون صبر لا يستطيع المؤمن تطبيقَ ما أمره الله به وبدون صبر لن يتمكن من ترك الحرام عن حب ولا التفوقِ على ما يصيبه من أليم القدر. فالمصيبةُ أصلا غير مرجوة لدى الإنسان ولكن المؤمنَ بفضل صبره يجتاز الامتحان فيتميز عن غيره من الناس تماما كما قال الحبيب المصطفى في ما صح عن صهيب أنه صلى الله عليه وسلم قال:
عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ
صدقت يا حبيب الله ونسأل الله أن يجعلنا من هذه الطينة المباركة
أقول قولي هذا وأستغفر الله وآخر دعوانا أن الحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله ومن والاه. الصبر في الشدة لا يطيقه إلا المؤمنون المتمرسون. ولذلك أردف الله أمره بالصبر دعوةً للمصابرة إشارة منه إلى ضرورة التآزر والتعاون على الصبر بين المؤمنين. فقدرة الإنسان على تقبل صدمةٍ حين يتلقاها رفقة آخرين تكون أقوى من لو أنه تلقاها بمفرده فالمصيبة إذا عمت هانت كما يقال. ثم إن فعل صَابَرَ يفيد أن المؤمن ينبغي له أن يكون صابرا دائما أكثر خصوصا عند لقاء العدو أو وقوع المشاكل لأنه يعرف جيدا أن معية الله تعالى حينها تؤول إليه لا محالة. أليس الله سبحانه هو القائل:
كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
فليكن إخواني ديدَنُنا الصبرُ بكل أنواعه ولتكن هذه الخصلة موضعَ تنافسٍ بيننا فإِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ. ثم لِنجعل من اليقظة شعارا سواءً كان ذلك في أيام الشدة أو الرخاء تفعيلا منا للرباط المأمور به في النداء حتى لا نقع ضحية غدر العدو من الإنس كما الجن. فلا يليق بالمؤمن الاتصاف بالغفلة وسوءِ الانتباه لما يقع حوله.المؤمن الحق يتسلح دائما باليقظة اللازمة ولا يترك مجالا للصدفة والمصادفة بل يأخذ بالأسباب في كل ما يقوم به مريدا مقاربة الكمال ثم بعد ذلك يتقي الله ويتوكل عليه حق التوكل وهذا هو المعنى الحقيق للجهاد الذي أحبه الله لنا معشر المؤمنين. فالجهاد في سبيل الله لا يعني فقط الحرب وولوج ميادين القتال وإنما هذا جانب منه ليس إلا. أما الوجه الأساس فهو الرباط بمعنييه، الدفاع عن دين الله وذاك المعنى الوارد في قول الحبيب صلى الله عليه وسلم:
أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْمَكَارِهِ وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ
اللهم ارحمنا ووفقنا لفهم ديننا كما تحب ذلك وترضاه منا. اللهم اجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين آمين. اللهم استرنا وكن لنا ولا تكن علينا واغفر لنا يا ربنا. اللهم انصر ولي أمرنا نصرا عزيزا تعز به الوطن والدين وارفع شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه والحمد لله رب العالمين.