اليقين والثبات على المبدأ شعار المؤمن
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى حتى يرضى ونحمده إذا رضي ونحمده بعد الرضا نحمده جل وعلا حمدا وافيا يليق بالموقنين الصادقين ونشكره شكرا كافيا يناسب مزيده في الأولين والآخرين ونشهد أنه الله ولي الصالحين حث عباده المؤمنين على الثبات واليقين فقال جل شأنه وهو أصدق القائلين:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُ الله ورسوله كان يدعو إلى الثبات في الأمر ويسأل دائما ربه اليقين ليتمكن من ذاك الثبات فيُعَلِّمُ صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقولوا:
اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا وَقَلْبًا سَلِيمًا وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ وَأَسْتَغْفِرُكَ مِمَّا تَعْلَمُ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ
أما بعد فيا أيها الإخوة، نداءُ الإيمان الذي بين أيدينا هو السابع عشر في سلسلة النداءات التي نحن بصدد دراستها؛ عدنا إليه بعد وقفة الإسراء والمعراج من أجل التأكيد على ضرورة الثبات في الأمر وعدمِ الإصغاء إلى المثبطين الذين يعملون من أجل تشكيك المؤمنين في دينهم. فهو كسابقه جاء في سياق هزيمة المسلمين عند أُحد. يُذكَرُ أن جيش النبي كان قد انسحب منه رأس المنافقين بثلثه ولما وقعت الهزيمة للمسلمين انطلق المنافقون في الاستهزاء منهم وانتهزوا الفرصة لتشكيكهم في دينهم فحذرهم الله تعالى من الوقوع في الفخ وذلك بأن ذكرهم بأن الأمر كله بيده سبحانه وأنه لا تقع مصيبة في هذه الدنيا إلا بتقدير منه فلا مجال للحسرة ولا مكان للندمِ على قرارٍ اتخذ، تماما كما قال تعالى:
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا ءَاتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
وهذا درس صالح لكل المؤمنين في كل زمان ومكان والحمد لله الكريم المنان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. أراد المنافقون النيلَ من المؤمنين المصابين فقالوا لهم لو أنكم أطعتمونا في الانسحاب لما وقع لكم ما وقع! كانوا بدعواهم يريدون إحراجَهم وجرَّهم إلى الندم وذلك قوله عز وجل:
لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ
إلا أن أصحاب النبي ورغم ما نزل بهم ثبتوا فانقلبت الحسرة المرجوة لهم إلى حسرة في قلوب المنافقين وذلك بعد أن أيقن هؤلاء من فشل خطتهم. وهكذا ينبغي للمؤمنين في كل زمان ومكان أن يكونوا، غيرَ مكترثين بصيرورة الأحداث واضعين ثقتهم في الله مقْدمين على نصرة الدين والوطن والكلمة لا يصدهم عن ذلك إلا انقطاع الحياة عنهم لأنهم يوقنون بأن الموت والحياة بيد الله. يقول تعالى:
وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
فالمؤمن الحق لا يتوارى أمام خطر الموت لأنه موقن بأن الموت لا يصيبه إلا إذا كان مقدرا له وفقط في الوقت الذي يحدده الله له. فكم هم من ماتوا في بيوتهم وهم نائمون، ناعمون بين أهليهم وكم من آخرين أخذوا السلاح وولجوا ميادين القتال ثم عادوا إلى ديارهم سالمين غانمين. يقول تعالى في سورة النساء:
أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ
وفي هذه السورة أيضا وقبل هذا الموضع بقليل يقول ربنا عز وجل:
قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ
وفي الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قال:
وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَهَا، قَالَ: أَيْ رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ
اللهم ارحمنا ووفقنا لفهم ديننا كما تحب ذلك وترضاه منا. اللهم اجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين آمين. اللهم استرنا وكن لنا ولا تكن علينا واغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتجاوز لنا عن زلاتنا يا ربنا. اللهم انصر ولي أمرنا نصرا عزيزا تعز به الوطن والدين وارفع يا رب شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه وأقر عينه بولي عهده والحمد لله رب العالمين.