احذروا الربا فإنه مظنة الهلاك
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى حمداً يوافي نعمه ونشكره جل وعلا شكراً يكافئ مزيده ونشهد أنه اللهُ الذي لا إله إلا هو ربٌّ كريم عظيم لم يترك طريقا للخير إلا أرشدنا إليه ولا طريقا للشر إلا حذرنا منه فكان من الشر الذي بيَّن لنا عدمَ جدوى أخذِه والعملِ على تحصيله التنافسُ على الربا فقال سبحانه:
وَمَا ءَاتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّتُرْبُوا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَا ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُ الله ورسوله ذكر استفحال الربا في الأمة وخطورتَه فقال فيما يرويه أبو داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه:
لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا أَكَلَ الرِّبَا فَإِن لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ بُخَارِهِ (غُبَارِهِ)
أما بعد فمع النداء الخامس عشر من نداءات الإيمان في القرآن الكريم والذي ينهانا فيه الله تعالى مجددا بعد نداءِ سورة البقرة عن أكل الربا ويبين لنا من خلاله طريق الفلاح والوسيلة الأعظم لكسب رحمته سبحانه. قال جل شأنه:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
فهذا النداء عباد الله له نفس دلالة نداء البقرة في تحريم الربا الذي يبقى من دون أدنى شك من الموبقات ويدلنا هو أيضا على أن ترك هذه المهلكات هو الخطوة الأولى لبلوغ التقوى والنجاة من النار، علما بأن التحذير من النار لم يرد في نداء البقرة وورد هنا للدلالة على فظاعة الذنب المقترف حين تقرض غيرك مالا ثم تشترط عليه عند الأداء زيادة نسبة مئوية على رأس المال وكلما زادت مدة استرجاع الدين إلا وزادت النسبة المشترطة إلى أن يغرق المدين في دينه فلا يستطيع البراءة منه إلا بشقٍّ وعناءٍ كبيرين. إن التعامل بالربا حرام وهو يقع في إحدى حالتين اثنتين. إما من مسلم مؤمن بحرمته فيكون قد أصاب كبيرة لا تكفرها إلا التوبة قبل الموت وإلا عرض نفسه للعذاب الأليم من قبل الله بعد حربه تعالى عليه في الدنيا وإما أن يكون المتعامل به آكلُه غيرَ معترف بحرمته جاحدا لها فيعرض نفسه لأن يكون من الكافرين والعياذ بالله والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. عبادَ الله، لا غروَ أن ترك الربا صعبٌ على نفوسِ آكليه وذلك أن فوائده المادية مغريةٌ للغاية فلا حل للمؤمن من أجل تجاوز هذه العقبة إلا أن يتسلح بالإيمان الذي سيمكنه من دحض الإغراء الواقع وتقديم طاعة الله والرسول على بغية نفسه التي تأمره بالسوء ووسوسة قرينه الذي يجره إلى الهلاك، ولهذا قال تعالى في تتمة النداء:
وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
فلا سبيل لكسب رحمة الله إلا بطاعته وطاعة رسوله التي هي من طاعته ولا حل في طاعة الله والرسول إلا بالتسلح بحبهما والعزم على تقديم أمرهما على كل ما يمكن أن ينشأ من مغريات الحياة المخالفة لشرعهما. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى حين قال: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ وذكر منها:
أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا
وقال صلى الله عليه وسلم في حديث صحيح آخر عن أنس بن مالك رضي الله عنه:
لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
إلا أن الإشكال هو أنه في زماننا هذا مهما أردنا أن نطيع ربه في قضية الربا لن نستطيع أن نفعل بالكامل وإن فعلنا فلن نتمكن إلا بمشقة كبيرة لأن الربا مسيطر على جل مرافق الحياة والاقتصاد قائم عليه لا يكاد ينفك عنه ونبوة الحبيب في الحديث الذي صدرنا به الخطبة ظاهرة للعيان! فما السبيل للإفلات من هذه الورطة؟ الخطوة الأولى فردية تكمن في تجديد الاعتقاد بأن الربا حرام ثم على كل آكل للربا إخلاصُ التوبة لله سائلا مغفرته وطالبا العذر في ما يكون قد وقع منه من غير قصد، ثم لا بد من تجديد العزم جماعيا على التفكير في إيجاد حلول اقتصادية ناجعة تعتق المجتمع من المنزلق الذي هو فيه وهذا يعني إرادة وإيمانا وجرأة. اللهم ارحمنا ووفقنا لفهم ديننا كما تحب ذلك وترضاه منا اللهم اجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين آمين. اللهم استرنا وكن لنا ولا تكن علينا واغفر لنا يا ربنا اللهم انصر ولي أمرنا نصرا تعز به الوطن والدين وارفع شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه والحمد لله رب العالمين.