لا تتخذوا بطانة من دونكم
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى حمدَ المعترف له بالنعمةِ وزيادة ونشكره جل وعلا شكرَ المقر له بالفضل وأكثر ونشهد أنه اللهُ ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه وعالمُ كلِّ غيبٍ ومصرفُه هدانا جل شأنه إلى حقيقة تبدو مرةً ولكن لا محيد لنا عنها وليس لنا من سبيل إلى تغييرها فقال سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين:
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تَسْأَلْ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ
ثم إنه سبحانه وتعالى أبى إلا أن يدلنا على الطريق الواجب سلكُه حيال هذه الحقيقة المرة للإفلات من عواقبها والنجاة من شرها فقال مباشرة بعد ذكرها:
الَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَـئِكَ يُومِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُر بِهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
أعاذنا الله وإياكم من الخسران ومن كل أنواع الكفر والطغيان. ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُ الله ورسوله حذرنا من الانهزام أمام هذه الحقيقة فقال:
لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: فَمَنْ؟
عبادَ الله، نحن اليوم على موعد مع النداء العلوي الرابع عشر الذي يحذرنا فيه الله عن الذوبان في ثقتنا الممنوحة إلى غير المؤمنين الذين لا شغل لهم إلا السير على غير صراط الله المستقيم. والأصل في ذلك أنه لا ينبغي للمؤمن أن يمنح ثقةً عمياء إلى كل من يلقاه من الناس فيبوح له بأسراره وخصوصا إذا كان على غير عقيدته، بل عليه أن يكون ذا بال فليس هو بالخب ولا الخب بِخادِعِهِ ومعنى هذا أن المؤمن لا يكون أبدا مخادعا ماكرا وفي نفس الوقت لا يستطيع المخادع الماكر أن يخدعه ولا أن يلعب بعواطفه. يقول تعالى في هذا النداء:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً
فهذا أيها الأحبة الكرام نداء من شأنه أن يوقظ فينا معشر المسلمين كثيرا من الحذر في معاملة غيرنا من الملل المشبوهة التي لا نعرف جيدا حقيقة أصحابها ولا نطلع مبدئيا على كنه تفكيرها. فصداقة وليدة لا تكفي للذوبان في الآخر وإعطائه أخوة لا محدودة لأنك لا تدري كيف تكون عاقبتها والله المستعان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. عبادَ الله، المؤمنُ لا يمنح ثقته إلا لمن وثق من محبته وتيقن من ولائه له لأن الإنسان عموما مجبول على حب الخير لنفسه فلا يؤتمن من أول وهلة على طلب الخير لغيره ولهذا بين الله له سبب نهيه عن اتحاذ البطانة من دون المؤمنين أولا فقال عقب ذلك:
وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
كثيرا ما يكون المؤمن ذا سريرة طيبة ولكن ليس لحد أن يمنح ثقته لغيره من غير حذر، في حين أنه أمام مَن يمكر به ويكن له كراهية وحسدا وسوء طوية. لا ثم لا! لا يجوز للمؤمن أن يذهب به طيب سريرته إلى مزالق الهلاك بل عليه أن يكون يقظا مستعدا دائما لسماع تحذير مولاه الذي قال له ولأمثاله من العاقلين:
قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
فهذا هو الصواب! فالله يريد منا ذكاء في التفكير ويقظة في الرد ودفعا للضرر ولا يرضى أن نكون ضحية لسوء التقدير في المعاملة. فالمؤمن بطبيعته طيبٌ وهذا أمر جيدٌ ولكنه ليس بالغبي بل عليه أن يُعمِلَ ذكاءه في انتزاع أي علامة من علامات البغضاء الكامنة في مَن أمامه دون أن يمنعه ذلك من مد يد العون لمن يريد صادقا أن يتعاون معه وإن كان من ملةٍ غير ملته وهذا هو فحوى قوله جل جلاله في بيان حقيقة المخالفين للمؤمنين الذين يريدون بهم كيدا وضررا:
هَا أَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُومِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
فحسبنا الله ونعم الوكيل وأفوض أمريَ إلى الله إن الله بصير بالعباد. فاللهم ارحمنا ووفقنا لفهم ديننا كما تحب ذلك وترضاه منا اللهم اجعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين آمين. اللهم استرنا وكن لنا ولا تكن علينا واغفر لنا ربنا اللهم انصر ولي أمرنا نصرا تعز به الوطن والدين وارفع شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه والحمد لله رب العالمين.