أهمية الوقت في حياة الإنسان
الحمدُ للهِ رب العالمين نحمده تعالى ونشكره ونستهديه ونستغفره ونشهد ألا إله إلا غيره، ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه ومعبودُ كلِّ مخلوقٍ ورازقُه، أشار سبحانه إلى أهمية الوقت في حياة الإنسان فنهاه عن هدره والإمعان في الاستهتار به فقال جل جلاله داعيا رسوله ومن معه إلى ترك الغفلة والاجتهاد في الذكر والعمل:
وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ
ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله نبه بدوره متحسرا إلى أن الفراغ لا يُحسن استغلالَه كثيرٌ من الناس فيضيعون على أنفسهم أرباحا كثيرة فقال:
نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ
أما بعد فيا عبادَ الله استجابة لاقتراح بعض الإخوة ونظرا لأهميته سنخصص خطبة اليوم للحديث عن موضوع الوقت في حياة الإنسان. فالوقت يُعتبر فعلا أهمَّ ما في حياتنا، فهو أثمنُ وأغلى من المال والورِق والذهب إذ المال وما يماثله من خير إذا ذهب أمكن استرجاعه ولا حاجة للحزن عليه وذلك لقوله تعالى:
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
أما الوقت إذا ذهب فيضيع للأبد ولا مجال لاسترداده، ألم تسمع إلى قوله تعالى:
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ
فالمال يُمكن جمعه وتحصيله والاقتصاد في إنفاقه، أمّا الزمن فكل دقيقة وكل لحظة إن ذهبت فلن تعود أبداً. ولو أنفق الإنسان أموال الدنيا فلن يستطيع أن يسترجع دقيقةً واحدةً من عمره، فالوقت هو الحياة وهو المحور الأساسي الذي يُسيطر على مسار هذه الحياة. ومن ثم فالذي يغتنم وقته في الأعمال الصالحة أفلح وسعد في الدنيا والآخرة ومن أضاع وقته وعمره بترك العمل الصالح وملئه بما لا يرضي الله من المعاصي وحتى من الخمول والبطالة، فقد خاب وخسر وما أعظمَ حديثِ النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه لرجل وهو يعظه:
اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. هناك أمران أريد التنبيه إليهما. أما الأول فلمَّحنا إليه آنفا وهو تضييع الوقت! فجدير بالإنسان معرفةُ كيفَ يُحافظُ على وقته وذلك بتنظيمه وتحديدِ أولوياتِه وتوزيعِها على ساعاتِ يومه ففي الحديث الذي روى فيه النبي بعضَ أمثال صُحُفِ إبراهيم:
وَعَلَى الْعَاقِلِ مَا لَمْ يَكُنْ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَاتٌ: سَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ وَسَاعَةٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ وَسَاعَةٌ يَتَفَكَّرُ فِيهَا فِي صُنْعِ اللَّهِ وَسَاعَةٌ يَخْلُو فِيهَا لِحَاجَتِهِ مِنَ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ لا يَكُونَ ظَاعِنًا إِلا لِثَلاثٍ: تَزَوُّدٍ لِمَعَادٍ أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ. وَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِزَمَانِهِ مُقْبِلا عَلَى شَأْنِهِ حَافِظًا لِلِسَانِهِ، وَمَنْ حَسَبَ كَلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ قَلَّ كَلامُهُ إِلا فِيمَا يَعْنِيهِ
فيا عجبا لمن يتركُ الساعاتِ تلوَ الساعات تمر عليه في المقاهي والملاهي وغيرِ ذلك من الأماكن التي لا فائدة من الوجود فيها، سوى إهدارِ العُمْرِ والاستعدادِ للندم عليه يوم لا ينفع الندم. وما أروعَ قولة عمر ومثلِها لابن مسعود حين قال:
إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرَى الرَّجُلَ سَبَهْلَلاً لَا فِي عَمَلِ دُنْيَا وَلَا فِي عَمَلِ آخِرَة
إِنِّي لَأَمْقُتُ الرَّجُلَ أَرَاهُ فَارِغاً لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِ دُنْيَا وَلَا آخِرَة
أما الأمر الثاني فهو الاستهتار بوقت الغير حيث لا احترام للمواعيد ولا اكتراث بمن ينتظر، فالمريض يتورم مقعده من طول انتظار الطبيب والقطار يتأخر فتضيع على مستقليه مهامُهم والموظف يتخلف فتطير حقوق المواطنين أدراج الرياح بينما الذي يحترم نفسه يجعل من المحافظة على الوقت أولى أولياته فإذا تأخر الطبيب اعتذر وإذا تخلف الموظف قامت قيامته وإذا تعطل القطار ترى من الشركة المسوقه له من العار ما لم تكن تتوقعه لإدراكها عظمَ الأذى الذي ألحقته بزبائنها. أما نحن فكأننا غير معنيين بوصف الله للمؤمنين الذين هم نحن:
وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ
فاللهم حسن أحوالنا وأعنا لتغيير ما بأنفسنا لتغير ما بنا. نوِّر طريقنا وهيأ لنا من أمرنا رشدا. اللهم حبب لأمير المؤمنين الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان واجعله يا رب من الراشدين. اللهم أيده بالحق وأيد الحق به حتى لا يقضي أمرا إلا لصالح الدين والمواطنين آمين والحمد لله رب العالمين.