تقدم المسلمين رهين بتمسكهم بتعاليم دينهم
الحمدُ للهِ رب العالمين نحمده تعالى حق حمده ونشكره جل وعلا أتم شكره ونستهديه سبحانه ابتغاء توجيهه وهدايته ونستغفره عز وجل طلبا لمغفرته واستنزالا لعفوه ونشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو، ربط نصره لعباده المؤمنين بنصرهم إياه فقال سبحانه وتعالى في محكم تنزيله وبالضبط في سورة محمد:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ
و نشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله أعطانا درسا عظيما في العقيدة فربط قدر نجاح المسلم في حياته بقدر عمق حفظه لحدود ربه وشدة قربه من طاعة مولاه ومداومته على فعل الخير في السر والعلن فقال عليه الصلاة والسلام:
احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ
ثم بين صلى الله عليه وسلم فضل الصبر والمصابرة فقال عليه الصلاة والسلام كما جاء في تتمة حديثه هذا الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله ابن عباس:
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
عباد الله، رأينا في الأسبوع الماضي أن حالة التخلف التي يقبع فيها المسلمون في هذا الزمان غيرُ راجعة لإسلامهم الذي بالعكس يعبد الطريق لكل أسباب الرقي والقوة والتقدم. فالمسؤول الأول عن هذا التخلف هو التخلفُ عن تعاليم الدين وعدمُ التخلق بالأخلاق التي جاء من أجل إتمام مكارمها. لقد انتشر الإسلام في الآفاق أيام الصحابة وانتقل إلى أوروبا فأنشأ فيها حضارة عظيمة ومن قبل في الشرق، حضارةً جمعت بين العلم والإيمان وبين الرقي المادي والسمو الروحي؛ حضارةً لم تتنكر للعقائد ولا للأخلاق فوسعت المسلمين وغيرَ المسلمين، وسعت العرب والعجم مرتكزة على مبدأ واضح هو مبدأُ نبذ الفرقة والتفرقة والتمييز بين العباد، مبدأ نابع من هدي سيد العباد:
أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَ إِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى
فلله در هؤلاء الأفذاذ ووفقنا لإتباع نهجهم آمين والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. هناك من سيقول هؤلاء الصحابة عاشوا مع النبي ونهلوا من معينه فطبيعي أن يدركوا ما أدركوا ولكننا سنجيب عندئذ فما قولكم في عمرَ بنِ عبد العزيز و قد مكَّن الله له في أقل من ثلاثين شهراً أن يستغني الناس ويزدهر المجتمع ويعم الرخاء. فإن قيل هذا عمر حديث عهد بالصحابة قلنا فما قولكم في طارق بن زياد وصلاح الدين ويوسفَ بنِ تاشفين و يعقوبَ المنصور ومحمدٍ الفاتح وغيرِهم كثير، ما قولكم في هذا وذاك. ألا كلما اقتربنا من الإسلام إلا كان النصر حليفنا وكلما ابتعدنا عن الإسلام، كما هو الحال اليوم، إلا أصابنا الذل والهوان. قال تعالى:
إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ
إن الإسلام للأسف لم يعد اليوم هو المؤثرَ الأول في حياة المسلمين. إذا كنا على الصعيد الفردي نلاحظ أن بوادر التوبة أخذت تدب في عروق الناس، فعلى صعيد المجتمع الأمر لا ينذر بخير. فالبدعُ منتشرة وتُشَجَّعْ والفواحشُ تفشو ويُرَوَّجُ لها والخمور تُباع ولا ناهي عنها والربا يملك رقاب الناس ولا مناقش له وأوكار الفساد تَفتح أبوابَها ولا رقيب ولا حسيب! أين نحن من محاربة ظاهرة الرشوة؟ وأين نحن من مجابهة سياسة الزبونية والمحسوبية والتدخلات غير اللائقة؟ ما عذرنا عند الله حين سيسألنا عن الأموال المضيعة في الميسر الذي أصبح من الأمور العادية فينا؟ ألا فاستيقظوا، ألا فانتبهوا فإن الله تعالى وعد النصر فقط عباده الصالحين الذين يتشبثون بدينهم حق التشبث. قال تعالى:
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ
اللهم نوِّر طريقنا بالإيمان وهيأ لنا من أمرنا رشدا اللهم ردنا إليك ردا جميلا ثبت صفوفنا واجمع شملنا ووحد رايتنا لإعلاء كلمتك وتحكيم كتابك والذود عن سنة نبيك. اللهم حبب لأمير المؤمنين الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان واجعله من الراشدين اللهم أيده بالحق وأيد الحق به حتى لا يقضي أمرا إلا لصالح الإسلام والمسلمين آمين والحمد لله رب العالمين.