لماذي تخلف المسلمون؟
الحمدُ للهِ رب العالمين نحمده تعالى حق حمده ونشكره جل وعلا أتم شكره ونستهديه سبحانه ابتغاء توجيهه وهدايته ونستغفره عز وجل طلبا لمغفرته واستنزالا لعفوه ونشهد أنه الله الذي لا إله غيره وصف الأمة أول أمرها فقال:
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
و نشهد أن سيدنا محمداً عبده و رسوله أدَّى الأمانة و بلغ الرسالة و نصح للأمة فما ترك صلى الله عليه وسلم أمراً يُقربها من الله إلا دلها عليه حتى قال عليه الصلاة والسلام:
قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ وَمَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَعَلَيْكُمْ بِمَا عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ
أما بعد فيا أيها المسلمون ونحن نودع سنتنا هذه يليق بنا استعدادا منا لإحياء ذكرى هجرة الحبيب المصطفى أن نتقصى أحوال الأمة لنقف عند نقط ضعفها فنتداركها ولنتمكن من مواطن قوتها، على قلتها، فنعمل على إرسائها عليها عسا أن نكون من الفائزين مصداقا لقوله تبارك تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ
الناظر في حـال المسلمين اليوم ليتعجب وحُقَّ له أن يتعجب! ما بال المسلمين أصبحوا في ذيل قافلة الأمم؟ تَغَلَّبَ عليهم الضعفاء وتجرأ عليهم الجبناء! ما بالنا أصبحنا عالةً نستورد أقواتنا ونعتمد في كل شيء على من سوانا؟ أتُرى ذلك راجع إلى إسلامنا؟ حاش وكلا! الإسلام غير مسؤول عما نحن فيه من الهوان إذ كيف يكون للطبيب ذنب إذا شخص الداءَ ووصف الدواءَ ثم لم يعمل المريض برأيه وترك العلاج جانبا؟ إن الإسلامَ يدعو إلى القوة ونحن أخذنا بالضعف! الإسلام يدعو إلى الوحدة ونحن فضلنا الفرقة! الإسلام يدعو إلى الإخـاء ونحن اخترنا المعاداة! الإسلام يدعو إلى النظام ولكن الفوضى هي السائدة فينا! كل أسباب القوة والرقي دعا إليها الإسلام وبيَّن طريق الوصول إليها ولكن المسلمين أبوا غير ذلك وحسبنا الله والحمد لله والرجاء في الله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. لقد أبينا إلا الأخذ بغير تعاليم ديننا والخروج عن البيضاء التي وصف لنا الرسول أي الطبيب، فما ذنب الإسلام إذن في ذلك كله؟ لقد فهم الأمرَ جيداً من قال:
كُنَّا أَذِلَّاَءَ فَأَعَزَّنَا اللهُ بِالإِسْلَامِ وَلَوِ ابْتَغَيْنَا العِزَّةَ فِي غَيْرِهِ لَأَذَلَّنَا اللهُ
والإسلام هنا هو إسلام القرآن والسنة والصحابة والتابعين لا الإسلامُ القائمُ على الخرافةِ في العقيدة والبدعةِ في العبادة والسلبيةِ في التربية والضعفِ في الأخلاق! فدينٌ من هذا النوع لا يؤدي إلا إلى التخلف والهوان المنهي عنهما:
وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
ويكفي للتحقق من صحة كلامنا النظر في تاريخ الأمة لنتأكد من أنه كلما اقترب المسلمون من دينهم فهماً وسلوكاً إلا وساد فيهم العز والنصر والرقي. فأعظم فترات تاريخنا هي التي ارتفع فيها عَلَمُ الدين فطُبقت أحكامه وروعيت قيمه وعاش الناس بأخلاقه! ففي عهد النبوة انتصر محمد صلى الله عليه وسلم فما مات حتى دانت له الجزيرة في وقت لم يكن يتوفر فيه على الوسائل العصرية لنشر الأفكار وغسل الأدمغة وكسر شوكة العدو فكان أتم دليل على أحقية الإسلام بالإتباع وقيادة البشر. ورُبَّ قائل يقول ذاك رسولُ الله مؤيد بالوحي وبجند من ربه فأنى لغيره أن يدرك ما أدرك. والجواب على هذا هو أنه جاء خلفاؤه من بعده فسـاروا على نهجه واتبعوا سنته فنشروا الإسلام في أنحاء العالم ولم يتوقف ذلك إلا عند تفرق الأهواء وتشتت الآراء بعيدة عن البيضاء التي وصفها الطبيب وهذا ما سنعمل على بيانه في الخطب المقبلة إن شاءَ اللهُ محيين بذلك ذكرى الهجرة النبوية. اللهم نوِّرْ طريقنا بالإيمان وهيئْ لنا من أمرنا رشدا. اللهم ثبت صفوفنا واجمع شملنا ووحد رايتنا إعلاءً لكلمتك وتحكيما لكتابك وذودا عن سنة نبيك صلى الله عليه وسلم. اللهم حبب لأمير المؤمنين الإيمان وزينه في قلبه وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان واجعله من الراشدين اللهم أيده بالحق وأيد الحق به حتى لا يقضي أمرا إلا لصالح الإسلام والمسلمين اللهم أصلح بطانته واقهر عدوه آمين وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.