مقتضيات حج بيت الله الحرام
الحمدُ للهِ رب العالمين حمدا يليق بجلال وجهه ولا يوجَّهُ أبدا لأحد من خلقه ولا يشوبه مثقال ذرة من شرك في أدائه نحمده تعالى ونشكره ونستهديه ونستغفره ونشهد ألا إله غيره، حدد لنا بعضا من أوقات الذكر ومواطنه في الحج فقال سبحانه وتعالى عند مُتِمِّ الآيات المخصصة لهذا الغرض من سورة البقرة:
وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُ اللهِ ورسولُه بين فضائل أعمال يوم العيد وما يليه من الأيام العظيمة التي يتم فيها أداءُ المناسك في حديث مطول مروي في السنن عن ابن عمر وأنس نقتطف لكم منه هذه المقتطفات فقال صلى الله عليه وسلم:
وَأَمَّا طَوَافُكَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ بَعْدَ ذَلِكَ كَعَتْقِ سَبْعِينَ رَقَبَةً وَأَمَّا رَمْيُكَ الْجِمَارَ فَلَكَ بِكُلِّ حَصَاةٍ تَرْمِيهَا تَكْفِيرُ كَبِيرَةٍ مِنَ الْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ الْمُوجِبَاتِ وَأَمَّا نَحْرُكَ فَمَذْخُورٌ لَكَ عِنْدَ رَبِّكَ وَأَمَّا حِلاقُكَ رَأْسَكَ فَلَكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَلَقْتَهَا حَسَنَةٌ وَتُمْحَى عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَتِ الذُّنُوبُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: إِذًا يُذْخَرُ لَكَ فِي حَسَنَاتِكَ وَأَمَّا طَوَافُكَ بِالْبَيْتِ بَعْدَ ذَلِكَ يَعْنِي الإِفَاضَةَ فَإِنَّكَ تَطُوفُ وَلا ذَنْبَ لَكَ يَأْتِي مَلَكٌ حَتَّى يَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْكَ ثُمَّ يَقُولُ اعْمَلْ فِيمَا تَسْتَقْبِلُ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى
أما بعد فيا عبادَ الله يتبين من خلال ما ذكرناه أن الأعمال التي يُتقرب بها إلى الله في يوم النحر وأيام التشريق بعده خمسة لا يضرك بأيها بدأت أو انتهيت، فالمهم أداؤها إقامةً منك لذكر الله عز وجل؛ وأول تلك الأعمال الرميُّ حيث يتوجه الحاج إلى مُرَكَّبِ الجمار فيرمي يوم العيد عند العقبة سبعا مع كل حصاة تكبيرٌ ثم يعاود الأمر في اليومين أو الأيام الثلاثة التي تلي عند الجمرات الثلاث ليبلغ عدد الكبائر المكفرة عنده تسعا وأربعين إذا تعجل وسبعين إذا تأخر فيا له من فضل ويا له من أجر ويا له من كرم لمن اتقى، فحاول رعاك الله أن تعطي لهذا المنسك طابع العبادة التي أراد الله له ولا تكن كأولئك الذين يذهبون إليه وكأنهم يساقون إلى الموت كارهين ولا تكن أيضا فيه من الجاهلين ولا من المستهزئين بل كن فيه من المعظِمين الخاشعين المتبتلين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه. إن الرمي في الحج ذكرٌ لله تعالى والذكر أصلا لا يكون إلا بخشوع وصوت منخفض لا بما نراه اليوم من كثير من الحجاج وكأنهم في حرب ملتهبة أو فتنة منتشرة. ألم تسمعوا إلى قوله:
وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ
أما العمل الثاني الذي يقوم به الحاج فالتقصير أو الحلق الذي يرفع الله به عدد الحسنات ويحط به الخطايا والسيئات. فيا عجبا لمن يتلاعب فيه فيُحَوِّلُهُ إلى مناسبةٍ لِبَثِّ الأوساخ في المخيمات برمي الشعر في الطرقات بطريقة أقل ما يمكن القول فيها إنها مشينة لا تليق بالمؤمن النظيف الذي يحترم نفسه وإخوانه وبيئته! ثم إذا قلتَ له ألا تذهب إلى الحلاق؟ ثار في وجهك وكأنك سببته ويأبى إخراج بِضْعِ ريالات لذلك وكأنه لا يعلم أن النفقة في الحج بسبع مائة ضعف وأن حسنة الحرمِ قال عنها الحبيب المصطفى حين سئل عن ماهيتها:
الْحَسَنَةُ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ
ثم هناك من الأعمال النحر وهو اليوم يقع عموما بالتوكيل ولكن لا ينبغي لذلك أن يمنعك من استحضارِ عظمة ذاك النسك وامتثالِ قول الله جل في علاه:
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ
وأما الطواف والسعي فيقعان مترادفين إلا بالنسبة للمفرد فإن سعيه يكون قد سبق في يوم قدومه. ولا بأس من التذكير بأن هاتين العبادتين ركنان أساسيان من أركان الحج التي لا يصح إلا بها فاحرص على أدائهما بما يرضي الله عنك ولا تتوانى. اللهم أعنا على أداء مناسك الحج على الوجه الذي يرضيك عنا اللهم رُدَّنَا إليك ردا جميلا وكن لنا وليا ونصيرا ولا تشمت بنا عدوا يا ربنا اللهم توبتك اللهم توبتك وصلِّ اللهم على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين وصحابته الغر المحجلين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى يسر له أمره كله واجعله يا رب من الصالحين وأقر عيناه بولي عهده آمينَ آمين والحمد لله رب العالمين.