مقتضيات حج بيت الله الحرام
الحمدُ للهِ فالق الحب والنوى ومنزل القرآن على قلب الحبيب المصطفى نحمده ربي ونشكره ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونتوكل عليه ونشهد ألا إله غيره جعل من مقتضيات الحج الكبرى الإكثارَ من ذكره سبحانه فقال عز من قائل في سياق فرض الحج والعمرة وإتمامِهما له وحده لا شريك له:
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَـئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُ اللهِ ورسولُه ما فتئ يُذَكِّرُ أُمَّتَه بهذا المقتضى العظيم فيقول كما هو في السنن والمسند والصحيح كلهم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها وأمها وسائر أمهات المؤمنين:
إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ
وفي رواية ابن خزيمة زاد رحمه الله في آخر الحديث ليس لغيره أي لإقامة ذكر الله له وحده سبحانه. أما بعدُ فيا عبادَ الله، إن المؤمن إذا يسر الله تعالى له أن يذهب إلى الحج فما عليه إلا أن يُجند نفسه لإقامة ذكر ربه دون كَلٍّ ولا مَلٍّ خصوصا وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا فضل هذه الشعيرة من شعائر الدين فيقول كما هو في جامع الترمذي عن أبي الدرداء رضي الله عنه:
أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى!
وكان مُعَاذٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يقول: مَا شَيْءٌ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فيا لَلْفرصةِ السانحة إذا حج الإنسان أن يتدرب على ذلك ويُوَطِّنَ نفسه به فذِكْرُ الله تعالى هو الشيء الوحيد الذي أُمِرْنَا بالإكثار منه حيث قال جل جلاله في معرض التنويه بصفات عباده الصالحين والذاكرين الله كثيرا والذاكرات فلم يقل ذلك في القنوت ولا الصوم ولا الصدقة ولا الخشوع وإنما قاله في الذكر ولله الحمد.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه. أيها الإخوة لا بأس من السؤال عن معنى ذكرِ الله وكيفية إقامته. إن ذكرَ الله الذي تطمئن به القلوب على ثلاثة أنواع رئيسية لا محيد للمسلم عنها جميعِها إن هو أراد جَنْيَ الفضلِ الموعود به. فالذكر يكون باللسان وهو المشهور ويتمثل في ترداد اسم الله تعالى والإكثار من الثناء عليه سبحانه وحمده وتسبيحه مصداقا لقوله جل في علاه:
مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا
ثم يكون الذكر بالقلب حيث لا يكاد يغفل المسلم عن الشعور بوجود ربه معه فإذا وقع ذلك سارع إلى مراجعة نفسه بقرعها وردها إلى بر الأمان وهذا الذكر هو الذي يبلغ بالمرء درجة الإحسان المنشودة وهو الوارد في قوله تعالى:
وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُوْلَـئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ
أما النوع الثالث من الذكر فهو ذكر الجوارح والأعضاء بمنعها من اقتراف الحرام وبعثها على العمل الصالح والفعل الجميل، فلا بطش إلا بالخير ولا سعي إلا في ما يحبه الله ولا كلام إلا في ما يرضي الرب ولا نظر إلا لما أحله الله ولا استماع إلا لما لا شبهة فيه وهلم جرا، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك واجعلنا يا ربنا من أولياءك اللهم ردنا إليك ردا جميلا وكن لنا وليا ونصيرا ولا تشمت بنا عدوا يا ربنا اللهم توبتك اللهم توبتك وصلِّ اللهم على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين وصحابته الغر المحجلين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى يسر له أمره كله واجعله يا رب من الصالحين وأقر عيناه بولي عهده آمينَ آمين والحمد لله رب العالمين.