« مقتضيات إيتاء الزكاة « تابع
الحمد للهِ ربِّ العالمين نحمده تعالى حمدا يوافي نعمه ونشكره جل وعلا شكرا نستزيد به فضلَه ونَشهد أنه الله الذي لا إله معه ولا ربَّ لنا سواه ولا معبود بحق إلا هو، بين جل جلاله في كتابه العزيز أن من مقتضيات إيتاء الزكاة أن تعطى لأهلها المستحقين لها، فقال عز وجل في سورة التوبة وقولُه دائما حقٌ وصدقٌ وحكمةٌ:
إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا ونبينا محمدا عبدُه ورسولُه دلنا على طريق متميز نأخذه فننال به رضى ربنا فندخل الجنة فقال كما يرويه عنه أبو أمامةَ الباهلي:
اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ
أما بعد فيا أيها الإخوة والأخوات، لا زلنا نعيش مع أركان الإسلام ومقتضياتِها وبالضبط مع مقتضياتِ إيتاء الزكاة، تلك الفريضةُ التي ينساها كثير من الناس أو لا يعلمون عنها إلا القليل فلا يؤدونها كما ينبغي لها أن تؤدى. إن إيتاءَ الزكاةِ لمن وسائل تحقيق مقاصد الدين العظمى إذ هو من أكبر مقومات بناء الإنسان الصالح المفلح المحسن والأُمَّةِ المؤمنةِ الخيرة، فلا يجوز التفريط فيه بحال ولا ينبغي تركُ بابِه مسدودا لا يدخله إلا المُصِرُّون وهم قلة، بل على أولي الأمر أن يسعَوْا لإحيائه وتعميمه وعلى الأفراد أن يبتغوا فعلَه بالتعرف عليه أكثر والعملِ على إرسائه حتى لا تُنقَضَ عُرْوَتُه فيكونوا من المساهمين في ضياع الدين بأكمله لا قدر الله! جاء في معجم الطبراني عن ابن مسعود أنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
حَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ، وَدَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَأَعِدُّوا لِلْبَلاءِ الدُّعَاءَ
علينا إذن أن نبحث عن أفضل السبل لإرساء مبدأ الزكاة في مجتمعنا لإيصالها إلى مستحقيها سواء بإعطائهم إياها مباشرة أو بترشيد إنفاق أموالها حتى يتمكن هؤلاء المستحقون لها من العمل المذر للدخل وإيجادِ مواردِ رزق لهم وذلك أفضل من أن يبقَوْا دائما مادين أيديهم لغيرهم. فالزكاة أصلا هي وسيلة لإغناء من يأخذها عن السؤال لاحقا ولله الحمد والشكر والمنة.
الحمد لله والصلاةُ والسلامُ على نبيِّ اللهِ وآله ومن والاه. إنَّ من مقتضياتِ إيتاءِ الزكاة أن تُؤخذ بصفة أساسية من الغني وتُعطى لأشد الناس حاجةً إليها ممن ورد ذكر أصنافهم في الآية التي صدرنا بها خطبتنا. فإذا تعذر ذلك بالمباشرة وجب إنفاق المال الج موعِ فيما يستفيد منه المحتاج ويخفف عنه أعباء الحياة من بناء للمستشفيات وتشييد للمدارس وإيصالٍ للكهرباء وتمكينٍ من الماء الشروب وغيرِ ذلك من مستلزمات الحياة الضرورية علما بأن تعريف الغني كما الفقير والمسكين وابن السبيل والأصناف الأخرى المستحقة للزكاة يَختلَِفُ من عصر إلى عصر ومن قطر إلى قطر مما يفتح الباب للاجتهاد وتوسيع النقاش حتى يؤدي إيتاءُ الزكاة دوره كاملا كما أراده له ربنا عز وجل، فقد صحَّ عن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه عرف المسكين فقال صلى الله عليه وسلم:
لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ
وانطلاقا من هذا التعريف وذاك المنطق يظهر جليا أن إيتاء الزكاة، إذا أردنا له أن يتم على الوجه الذي يليق، لابد له من هيئة متخصصة تقوم به وهم المشار إليهم في الآية بالعاملين عليها. لا بد، عبادَ الله، من تقنين هذه الفريضة العظيمة والركن الركين من أركان الدين ثم لا بد، إذا ما وقع ذلك، أن ينخرط المؤمنون الصادقون في الأمر عن طيب خاطر وإخلاص نية وألا يقع في ذلك أي تلاعب لأن الامتناع عن إيتاء الزكاة يولد عواقب وخيمة لا مجال لتحملها ففي الحديث:
وَلا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَانِعِ الزَّكَاةِ و مَانِعُ الزَّكَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ
أما الذين يؤتونها ويؤدون حقها فهم من أولياء الله الصالحين حيث يقول تعالى:
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ
هذا واللهَ نسأل أن يوفقنا لإيتاء الزكاة ويجعل لنا من أمرنا يسرا. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، يسر له أمره كله واقض له حاجته واجعله من الصالحين وأقر عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته وشعبه والحمد لله رب العالمين.