مقتضيات إيتاء الزكاة
الحمد للهِ ربِّ العالمين نحمده تعالى على ما أعطى ونشكره سبحانه على ما أسدى ونثني عليه كما يُحِبُّ جل جلاله ويرضى ونَشهد أنه الله أهلُ المغفرة والتقوى والتوبة والرضى، أشار إلى فضل إيتاء الزكاة وما يمكن للإنسان أن يجنيه من خير عميم جراء فعله لذلك، فقال جل جلاله وقوله دائما صدقٌ وحكمةٌ وموعظة:
وَمَا ءَاتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
ثم إنه سبحانه وتعالى توعد الممتنعين عن إيتاء الزكاة بقوله عز وجل:
وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ
فكأنه سبحانه سوى بين الامتناع عن إيتاء الزكاة والشرك أو الكفر. ونشهد أن سيدنا وحبيبنا ونبينا محمدا عبدُه ورسولُه حصر مهمته الدعوية في أركان ثلاثة من أركان الدين لإظهار أهميتها فقال كما في الصحيح والسنن والمسند عن ابن عمر وأنس وغيرهما من الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين:
أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ
أما بعد فيا أيها الإخوة والأخوات، سَيْراً على الوعد الذي أخذته على نفسي قبل أسابيع وبعد أن تطرقنا لمقتضيات الشهادتين وكذا مقتضيات إقام الصلاة أنطلق معكم اليوم في تناول مقتضيات إيتاء الزكاة الذي هو الركن الثالث لهذا الدين العظيم الذي نشرف بالانتماء إليه. إن الزكاة حق واجب على المسلمين في كل مال وفى كل ما يمكن أن يُقوَّم بمال وهذا الحق ينطلي على الجماعة وعلى الأفراد على حد سواء. فحق على الدولة أن تؤسس لهذا الورش العظيم بأن تخصص له من يقوم عليه ويتأكد من إقامته وحسن تدبيره انطلاقا من قوله عز وجل:
خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَواتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ
وحق على كل فردٍ فرد أن يحرص على أداء هذا الركن تماما كما يحرص على إقام الصلاة لأن هاتين الفريضتين تجتمعان في القرآن أكثر مما تفترقان. قال تعالى:
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ
نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم وبحديث نبينا الأمين والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاةُ والسلامُ على نبيِّ اللهِ وآله ومن والاه. إنَّ إيتاءَ الزكاة فريضةٌ جماعيةٌ تؤديها الأمة إعلاناً منها لربها وللعالمين عن هويتها وهو أيضا من أعظم مظاهر انتماء الفرد إلى تلك الأمة مما يضمن لها سلامة بنيانها الاجتماعي إذ يؤدي لها كل شخص، مادي كان أو معنوي، حقا يتناسب مع ما يتوفر عليه من خير فلا يبقى فيها من يمد يديه لغيره أو يطلب حقا سُلِبَه. قال تعالى:
مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
ومن مقتضيات إيتاء الزكاة إعادةُ توزيعِ الثروات وتضييقُ الفوارقِ الاجتماعيةِ وإقامةُ العدلِ في الأرض مما يتناسب مع الحنيفية السمحة التي رضيها الله تعالى للناس دينا. ثم إن من مقتضيات إيتاء الزكاة وخصوصا على المستوى الفردي أنها تزكي النفس وتطهر هذا الإنسان من البخل والشح وتجعله يتحلى بالجود والكرم والتعاطف مع الآخرين بالإضافة إلى ما سيعود عليه من الخير بمساهمته في سد حاجيات الفقراء والمساكين وغيرهم من المحتاجين علاوةً على كونها من أسباب الفلاح عند الله، تماما كما قال ربنا في موضعين اثنين من كتابه:
وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
وقال تعالى عند ذكره لمقومات الفلاح الست التي صَدَّرَ بها سورةَ المؤمنون:
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ
فهم بذلك يطهرون أنفسهم ويطهرون أموالهم ويجعلونها تزداد وتقع فيها البركة التي ليست للمال الحرام ولا للذي ليس فيه حق معلوم للسائل والمحروم؛ قال صلى الله عليه وسلم:
مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ أو مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ
هذا واللهَ نسأل أن يوفقنا لإيتاء الزكاة، ويثبت في قلوبنا محبتها والاطمئنان لها ويجعل لنا من فضلها نصيباً وفي أجرها حظاً اللهم اعف عنا واغفر لنا وارحمنا ورُدّنَا إليك ردا جميلا. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، يسر له أمره كله واقض له حاجته واجعله من الصالحين وأقر اللهم عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته وشعبه آمينَ آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.