مقتضيات أشهد أن محمدا رسول الله
الحمد للهِ رب العالمين، نحمدك ربي ونشكرك ونستهديك ونستغفرك ونثني عليك ثناءً أنت أهله ونَشهد أن لا إله غيرك، أخبرتنا بأعظم نعمة أنعمت بها علينا نحن معشر المؤمنين بل على البشرية جمعاء فقلت وقولك دائما حق:
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا ونبينا محمدا عبدُ الله ورسولُه، أشار إلى دوره العظيم الذي كُلِّفَ به بين الناس فقال صلى الله عليه وسلم كما هو في الصحيح عن أبي هريرة:
إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ
أما بعد، فيا أيها الإخوة والأخوات، بعد أن عشنا على إيقاع مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله سأمضي بكم اليوم للنظر في مقتضيات شهادةِ أن محمدا رسولُ الله آملا أن تكتمل لدينا الفكرة عن شهادة الحق فنطبقها فينا كما أراد منا ربنا أول ما خلق السماوات والأرض وعمرهن ببني آدم. أيها المسلم الكريم، اعلم أنك حين تقول وأشهد أن محمدا رسول فهذا يعني أنك تقر بلسانك وبقلبك بأن محمدَ بنِ عبد الله هو المبعوثُ رحمةً للعالمين من قبلِ الله، المكلفُ بهداية الناس إلى ربهم وإرجاعهم إلى الطريق السوي، مصداقا لقوله تبارك وتعالى وعز:
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ
فإذا كان الأمر كذلك فإنك بشهادتك أن محمدا رسولُ الله تكون قد ألزمت نفسك بإتباعه صلى الله عليه وسلم دون جميع الخلق وتصديقه في كل ما أخبر به وطاعته في كل ما أمر ونهى، فما أثبته وجب إثباته وما نفاه وجب نفيه، فلا حلال إلا ما أحله ولا حرام إلا ما حرمه بأمر من ربه ففي المسند عن جابرٍ أَنَّ عُمَرَ أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِكِتَابٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ فَقَرَأَهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَغَضِبَ وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:
أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي
فاللهم اغفر لنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم والحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاةُ والسلامُ على رسول الله وآله ومن والاه، إن شهادة أن محمدا رسولُ الله هي الشطر الثاني من أول أركان الإسلام وهذا يعني أن إيمانَ المرءِ بالله لا يتم إلا بالإيمان بالرسول وأن لا نجاة ولا سعادة بدون ذلك فالرسول هو الطريق إلى الله فمن اتبع غير هديه صلى الله عليه وسلم ضل لا محالة. ومن مستلزمات ذلك أيضا ألا يُقَدَّمَ على قوله قولُ غيره وأن يُحترَمَ ويُنصَرَ ويُعظَّمَ دون رفع منزلته فوق منزلة العبودية التي بوأه الله تعالى إياها وثبتت في غير ما موضع من كتاب الله:
قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ
فليس له من خصائص الربوبية شيء بل هو عبدٌ فلا يُعْبَدُ ورسولٌ فلا يُكَذَّبُ وشخصٌ لا يَملِك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله. ثم إن هذه الشهادةَ تقتضي الإيمان بأنه خاتم الرسل وأن رسالته عامة لكافة البشر عربهم وعجمهم كبيرهم وصغيرهم ذكورا كانوا أو إناثا تماما كما قال تعالى:
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:
وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ
ثم إن من مقتضيات شهادة أن محمدا رسولُ الله تحكيمه والرجوع إليه وإلى شرعه ودينه كلما وقع خلاف في أمر من الأمور لتبين الحق مصداقا لقوله تعالى:
فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا
هذا والله نسأل أن يرزقنا نصرة نبيه، وأن يجعل في قلوبنا محبته ومحبة شرعه ودينه وأن يجعل لنا من حوضه نصيباً وفي شفاعته حظاً، إنه جواد كريم. اللهم اعف عنا واغفر لنا وارحمنا ورُدِّنَا إليك ردا جميلا. اللهم استرنا اللهم استرنا اللهم استرنا. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى اللهم يسر له أمره كله واقض له حاجته واجعله يا رب من الصالحين وأقر اللهم عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته وشعبه آمينَ آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.