إنما الأمم الأخلاق
الحمد للهِ رب العالمين، نحمده تعالى حمدا لا يليق إلا به ونثني عليه سبحانه ثناء لا نحصيه عليه هو كما أثنى على نفسه ونشكره جل وعلا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، نشهد أنه الله لا إله إلا هو، وجهنا إلى اتخاذ نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم قدوة ومثالا وأسوة وذلك بالتخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته فقال تعالى:
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ
ثم إنه تبارك وتعالى جعل من مسببات حبه للعبد أن يكون هذا الأخير متبعا لهدي الحبيب المصطفى صلى الله علسه وسلم فقال عز من قائل كما في سورة آل عمرن:
قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا ونبينا وإمامنا محمدا عبدُ الله ورسوله قال في بعض أحاديثه التي رواها البيهقي في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه:
مَنْ أَحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي
أما بعد فيا أيها الأحبة، لا زلنا نعيش تحت إيقاع بزوغ النور الذي رافق مجيء الحبيب وذلك بدعوة أنفسنا إلى اتباع سنته والعمل على طاعته في مَا أمرَ به من سلوكيات وما نهى عنه من المنهيات. والسؤال المطروح اليوم هو ما معنى اتباعِ سنتِه وإلى أي حد وفي أي مجال ينبغي التمثل بفعله صلى الله عليه وسلم. هناك من الناس من يفهم هذا على أنه وجوبُ تمثله صلى الله عليه وسلم في جميع أفعاله حتى في طريقة لباسه وكيفية أكله وحالة تنفسه صلى الله عليه وسلم. والأصل أنه ليس كذلك بل هو في روح لباسه وما يعنيه من ضرورة ستر للعورة وابتعاد عن الخيلاء وإلا، فكيف تريد لمسلم يعيش في منطقة ينزل فيها المحرار إلى عشرات الدرجات تحت الصفر أن يرتدي القميص الأبيض أو لباس الإحرام؟ أوَ من سنة النبي أن يجر الناس إلى الموت المحقق؟ اللهم لا! إن الأصل في اتباع سنته صلى الله عليه وسلم في الأكل ليس في أكل ما يأكله بالضرورة بل هو في كنه أكله وذلك بتحري الحلال وغسل اليدين قبله وتسمية الله عند البدء فيه وفي عدم تجاوز القدر الذي يحتاج إليه المرء لإقامة صلبه والحفاظ على سلامته وصحته. أما ما دون ذلك ففيه متسع ومرتع للحرية والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. إن مفهوم اتباع السنة لا ينبغي لنا تحجيرُه بتحريم ركوب السيارة لكونه لم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم. فالذي ينبغي لنا فهمه ثم فعله هو أن إحياء السنة حرفاً حرفا وشبراً شبرا لا يكون إلا في طريقة عبادته صلى الله عليه وسلم ثم في كيفية معاملته لغيره. أما العبادة فلأنها توقيفية وهو القائل: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي وخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوما بعد أن توضأ:
مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ
وحتى في هذا الميدان إذا وُجد بعضُ التقصير فلا حرج ولا نؤاخذ به فاعله إلى درجة تكفيره أو تفسيقه أو رميه بالنفاق، عياذا بالله، فقد قال الله تعالى:
إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ
فهذا هو معنى اتباعِ سنته وإحياءِ فعله وليس أبدا إملاءَ الأهواء وقهرَ الناسِ على نمطِ عيشٍ لا يجدون فيه راحتهم! وأما المعاملةُ، فالأصل فيها حُسْنُها بتربية أنفسنا على الخلق الرفيع من أمانة وصدق وتواضع وحِلمٍ وإقبالٍ على الآخرين بحب وعطف من غير تكبر ولا احتقار ولا ترويع للمشاعر. قال صلى الله عليه وسلم:
لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا
فيا عبادَ اللهِ إن الاقتداءَ بالنبي يبدأ أولا بامتثال نزاهته وأمانته وصدقه وانتهاج رحمته وحلمه وإحسانه والدوامِ على الخوف من الله والتضرع بين يديه سبحانه وليس بالمسارعة إلى إعفاء اللحية أو تقصير الثوب أو شُرب اللبن دون الماء أو ما إلى ذلك من مظاهر التدين التي لا تنفع مبدئيا إلا أصحابها وليس فيها أصلا تقديمُ خير للآخرين الذي هو كنه التدين الحق. فاللهم اعف عنا واغفر لنا وارحمنا وردنا إليك ردا جميلا يا أكرم الأكرمين ويا مجيب السائلين. رب اغفر وارم وأنت خير الراحمين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى اللهم يسر له أمره كله واقض له حاجته واجعله يا رب من الصالحين وأقر اللهم عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته وشعبه والحمد لله رب العالمين.