ظاهرة الانتحار قصد قتل الأبرياء ليست من الإسلام في شيء
الحمد لله الذي خلق فسوى وقدر فهدى، يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، لَهُ الاَسْمَاءُ الْحُسْنَى، نحمده تعالى على كل ما أنعم به من نعم وأسدى ونشهد أنه اللهُ ربُّ الأرضِ والسماواتِ العلى، ذَكَّرَ سبحانه وتعالى بفضله الكبير ذي الأبعاد المتعددة والمنافع غير المتناهيةِ على الناس ثم بيََّنَ لهم كيف يكون رَدُّهُمْ الأمثل على فضله وجوده وكرمه ذاك فقال جل شأنه في سورة غافر:
اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُوفَكُونَ كَذَلِكَ يُوفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الاَرضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُ الله ورسوله حَذَّرَنَا من إخفار ذمة الله ثم بين خطورةَ ذلك فقال كما يرويه عنه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله عنه:
مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَلَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ ذِمَّتَهُ، فَإِنَّهُ مَنْ أَخْفَرَ ذِمَّتَهُ طَلَبَهُ اللَّهُ حَتَّى يُكِبَّهُ عَلَى وَجْهِهِ
وفي رواية الإمام مسلم عن جُندَبِ بنِ عبدِ اللهِ رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال:
مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ
أما بعد فيا أيها الإخوة البررة الكرام، إن الأحداث الدموية التي تواردت علينا أخبارُها خلال الأيام القليلة الماضية من تونسَ الشقيقة وتركيا مراتٍ وانتهاءً ببلجيكا تحتم علينا التوقف مرحليا عن النظر في القدوة وذلك من أجل التعليق على تلك الأحداث المشينة وشجبِ ما تميزت به من سفكٍ للدماء وإخفارٍ لذمة الله وتمييعٍ لما من أجله خلق الله. عبادَ الله، إن الله حرم قتل النفس بقوله:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً
فهذا يفيد تحريم أمرين اثنين؛ الانتحارَ من جهة وقتلَ الإنسان لإنسانٍ مثله من جهة أخرى، فما بالك بمن يُقْدِمُ على الانتحار من أجل قتل غيره وقد توعد الله من يفعل ذلك عدوانا وظلما بِصَلْيِ النار، أعاذنا الله وإياكم منها. إننا يا الله نبرأ إليك من كل من سولت له نفسه أن يقتل غيره بغير حق والحمد لله رب العالمين والله أكبر.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه. عباد الله، لعل قائلا يقول: إن ما يقع من هذه العمليات الإرهابية إنما هو ردُّ فعلٍ على ظلمٍ وقعَ ويقعُ في بلاد عدة وله مبرراته وللناس أن تنتقم لما يُحَاكُ لها من مكر وخديعة! وهنا يلزمنا توقيف من تُسَوِّلُ له نفسه أن يفكر بهذا التفكير والصُّراخُ في وجهه بالقول نعم أنت محق، فللناس أن تفعل ما تشاءُ ولكن ليس باسم الله ولا دينِ الله فالله لم يأمر أبدا بالفحشاء ولا بالقتل البشع بل دينُ الله ليس من تعاليمه ترويع الآمنين ولا قتلُ المارة دون تمييز ولا تعيين للبريءِ من الجاني، ألم نستمع إلى قوله تعالى:
وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً
فبموجب هذه الآية، وليُّ المقتولِ هو الذي يتولى مبدئيا التقرير في مصير القاتل إن وجد وليس من هب ودب ممن يروم أخذ الثأر وأيُّ ثأر يا ترى؟ بل وحتى وليُّ المقتول مطالبٌ بعدم الإسراف في القتل أي بالعفوِ فلا يطالب بقتله إن قدر عليه، فكيف يسمح بعضهم بنزع الأرواح من أصحابها دون النظر في هويتهم ولا في علاقتهم بالجريمة المفترضة التي من أجلها أريد الانتقام. فاللهم إن هذا منكر. جاء في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:
مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا
فاللهم إنا نبرأ إليك من القتلة أنى كانوا فهم عصابةٌ من المجرمين ليس إلا والإسلام منهم براء، وأقل ما يمكن أن نقول فيهم إنهم جهلة مفتعلون يراد لهم أن يقوموا بتشويه الدين فأنى لهم أن يصلوا إلى ما نووا، وصلى الله على محمد وآله، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. اللهم انصر ولي أمرنا وارفع شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه وأقر عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته وشعبه آمين والحمد لله رب العالمين.