Rafii’ ibn Mahrane

(إشراقات من تاريخ إسلامنا المجيد (رفيع بن مهران

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أنار الوجود بإنزال القرآن وبعث آخر أنبيائه سيد ولد عدنان ثم جعل في أصحابه ومن اتبعوهم بإحسان نبراسا لكافة بني الإنسان، نحمده تعالى ونشكره ونستهديه ونستغفره ونشهد ألا إله غيره، عرف حقيقة المؤمنين في كتابه المبين فقال وهو أصدق القائلين:

إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُومِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ

ونشهد أن نبينا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُ الله ورسوله ببين لنا فضل البارع في قراءة القرآن فقَالَ صلى الله عليه وسلم كما يرويه عنه الإمام أحمد بسنده عن عائشة :

إِنَّ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ الْمَاهِرَ بِهِ، مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ

أما بعد فيا عبادَ الله، نتابع حديثنا عن القدوة بذكر بعض اللمحات من حياة تابعيٍّ عظيم ظهرت عليه سمات المؤمنين المذكورةُ في الآيات السابقة ومهر في القرآن حتى قيل عنه ليس أحد بعد الصحابة أعلم بالقرآن منه. إنه رفيع بن مهران الملقب بأبي العالية الرياحي البصري. قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء عنه إمام مقرئ حافظ مفسر، أدرك زمان النبي صلى الله عليه وسلم وهو شاب وأسلم في خلافة أبي بكر ودخل عليه وسمع من عمر وعليٍّ وأبَيّ وأبِي ذر وابنِ مسعود وعائشةَ وأبِي موسى وأبِي أيوب وابنِ عباس وزيدِ بن ثابت وغيرِهم من الصحابة الكرام. حفظ القرآن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين وقرأه على أبي بن كعب وتصدر لإفادة العلم وبعد صيتُه وكان من تلامذته أبو عمرو بنُ العلاء الإمام صاحب القراءة وقال هو عن نفسه في ما ترويه عنه حفصة بنت سيرين: قرأت القرآن على عمر رضي الله عنه ثلاث مرار. أما طلبه للعلم فيقول عنه:
كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه فأتفقد صلاته فإن وجدته يحسنها أقمت عليه وإن أجده يضيعها رحلت ولم أسمع منه وقلت: هو لما سواها أضيع
فهذا كان هو معياره في اختيار من يأخذ عنه العلم فسبحان الله يا لهم من أناس عرفوا فلزموا فبصموا، رضي الله عنهم وأرضاهم والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه. عباد الله، لم يتميز أبو العالية رفيعُ بنُ مَهران بقراءته للقرآن وعلمه الواسع فحسب بل كان ذا حكمة وبصيرة حتى صلُح أن يقال فيه إنه ممن ينطبق عليهم قول الله تبارك وتعالى:

يوتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُوتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُواْ الاَلْبَابِ

ومما يدلنا على تلك الحكمة الواسعة موقفه من الفتنة الكبرى إذ قال عنها:

لَمَّا كَانَ زَمَانُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَإِنِّي لَشَابٌّ القِتَالُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الطَّعَامِ الطَّيِّبِ فَتَجَهَّزْتُ بِجِهَازٍ حَسَنٍ حَتَّى أَتَيْتُهُمْ فَإِذَا صَفَّانِ مَا يُرَى طَرَفَاهُمَا إِذَا كَبَّرَ هَؤُلَاءِ كَبَّرَ هَؤُلَاءِ وَإِذَا هَلَّلَ هَؤُلَاءِ هَلَّلَ هَؤُلَاِء فَرَاجَعْتُ نَفْسِي وَقُلْتُ: أَيُّ الفَرِيقَيْنِ أُنزِلُهُ كَافِراً؟ وَمَنْ أَكْرَهَنِي عَلَى هَذَا؟ فَمَا أَمْسَيْتُ حَتَّى رَجَعْتُ وَتَرَكْتُهُم

وهذا دليل على أن المرء لا يقدم على شيء حتى يسائل نفسه عن مكانه من رضا الله فلا يترك أمره للعاطفة أو لفعل العامة بل يتريث فإذا تبين له الحق أقدم عليه وإلا أحجم. ومن أقواله أيضا التي تدل على حكمته وفهمه لتعاليم الدين:

أَنتُمْ أَكْثَرُ صَلَاةً وَصِيَاماً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَلَكِنَّ الكَذِبَ قَدْ جَرَى عَلَى أَلْسِنَتِكُمْ

فالعبرة ليست في تكثير العبادات الظاهرة ولكن في ما تفعله تلك العبادات في سلوك الإنسان الذي يؤديها فتعودُ عليه بالنفع الأخروي ولهذا كان يقول:

تَعَلَّمُوا القُرْآنَ فَإِذَا تَعَلَّمْتُمُوهُ فَلَا تَرْغَبُوا عَنْهُ، وَإِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الأَهْوَاءُ فَإنَّهَا تُوقِعُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ بَيْنَكُمْ

ومن الصفات التي كان يمتاز بها كذلك الورع والكرم والإنفاق على الفقراء وكذا حبه للزينة وفهمه للزهد فهما جد متقدم فقد قال لمن دخل عليه بثياب رثة:

هَذَا زَيُّ الرُّهْبَانِ، إِنَّ المُسْلِمِينَ إِذَا تَزَاوَرُوا تَجَمَّلُوا

فرضي الله عنه وعن أمثاله وصلى الله على محمد وآله. اللهم اجعلنا على طريقتهم وانفعنا بمحبتهم واحشرنا في زمرتهم ولا تخالف بنا عن نهجهم ولا عن سنتهم اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة اللهم كن لنا حيث كنا وارحمنا برحمتك الواسعة اللهم انصر ولي أمرنا وارفع شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه وأقر عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته وشعبه آمين والحمد لله رب العالمين.