(مراجعة النفس وتجديد النية باستمرار)
الحمد لله رب العالمين، نحمده تعالى إذ رضي لنا الإسلام دينا ونصب لنا الدلالة على صحته برهانا مبينا وأوضح لنا السبيل إلى معرفته حقا يقينا، نشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو، حذرنا من مغبة التلهي بالدنيا والاشتغال بشهواتها عن إعداد جوابٍ للسؤال الذي يوم القيامة ينتظرنا ولا مفر منه لنا فقال جل في علاه:
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبدُ الله ورسوله أرشدنا صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة محاسبة النفس على أفعالها وتصحيح النية في كل وهلة نمر بها فقَالَ صلى الله عليه وسلم:
جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم : أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللهُ
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون سأخصص خطبة اليوم للكلام عن محاسبة النفس وتصحيح النية وذلك وفاءً مني للوعد الذي أخذته على نفسي، منذ أن اعتليت منبر هذا المسجد المبارك، أن أتطرق لذاك الموضوع كلما أتممت مائةً من الخطب من على درجه. والحالة هذه أننا اليوم نقف على عتبة المائة السادسة ولله الحمد والفضل والمنة. إن الإنسان من طبيعته إذا طال به أمر أو استقر به حال أن يصيبه شيء من الملل فيتطلع إلى التغيير والتجديد إلا حينَ يكون شغله الذي يداوم عليه هو ذكر الله والعمل على نشر دعوة الله. فهذه الحال وذاك الشغل لا يمل منهما ذو لب ولا يفكر في تركهما عاقل. بل يعض عليهما بالنواجذ ويحرص على تنميتهما كلما استطاع إلى ذلك سبيلا. وكيف لا يفعل ووحي ربه يرن في أذنه ويقول له:
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فالدعوة إلى الله أشرف مهنة وأغلى منة، على كل واحد منا أن يمتهنها ويَهُبَّ إلى الاستفادة من خيرها فَيَهَبَ نفسَهُ لها. أليس الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم من قال:
بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ
إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض حَتَّى النَّمْلَةَ، فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ
فكيف لإنسان هذه خدمته أن يمل أو أن تُحدثه نفسه بالتقليل منها؟ ولكن هل يليق به أن يستمر فيها دون محاسبة ومن غير تجديد نية؟ اللهم لا، والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله ومن والاه. عباد الله، إن المؤمنَ لا يزال بخير ما دام يستشعر التقصير فيبادر إلى الاستغفار والقيام بمحاولة إصلاح أخطائه والارتقاء بعمله إلى خيرٍ مما هو عليه. وهذا المعنى موجود في كتاب الله تعالى أكثر مما نتصور وحسبنا دليلا على ذلك قوله تبارك وعز في سورة الحج:
ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ
فالجهاد في الله حق الجهاد هو إعمال كلِّ الجهد للذهاب بالعمل إلى أقصى درجات الإتقان أي الإحسانِ المطالبِ به الإنسان، كما قال جل وعلا في سورة المائدة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
فالمؤمن الذي يعمل لوجه الله لا يرضى لنفسه الغش ولا يسمح لها بالزور بل يبتغي المعالي ولا يكتفي بالمقبول ولا حتى بالمتوسط فهو دائما يبحث عن لوحة الشرف بل عن التنويه لا من قبل العباد ولكن من قبل رب العباد؛ وهنالك تُجنى الثمرة:
مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُومِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
روى البيهقي في شعب الإيمان عن أمنا عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
إِنَّ اللهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ
وهنالك من سيسأل عن علاقة كل هذا الكلام بالخطبة المتمة للمائة الخامسة والجواب أن العبد المتكلِّم مطالَبٌ كل مرة أكثر بتحسين مستواه والرفع من إتقانه ومراجعة نيته في أدائه لما هو فيه وجعلِها لله لا لغيره فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى. كما أن المستمعين مطالبون هم أيضا بسؤال أنفسهم عن فحوى وجودهم الآن هنا وهل يبتغون بذلك وجه الله أو فقط هم في المسجد من أجل أداء أمر لا بد منه؛ وهل نؤدي صلاتنا على الوجه الذي يرضي الله قياما وركوعا وسجودا وتلاوة وخشوعا وقبل وبعد ذلك كله، أثرا! ورحم الله عمرَ حين قال:
حَاسِبُوا أنفُسَكُمْ قبل أن تُحَاسَبُوا وزِنُوا أَعْمَالكُم قبلَ أَن تُوزَنُوا فإنَّهُ أَخَفُّ عليكُمْ في الحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحاسِبُوا أنفسَكُمْ اليومَ وأَعِدُّوا للعَرْضِ الأكبرِ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ
اللهم كن لنا حيث كنا اللهم من لنا ولا تكن علينا وارحمنا برحمتك الواسعة آمين اللهم انصر ولي أمرنا وارفع شأنه كله وأصلح به وعلى يديه ووفقه للخير وأعنه عليه وأقر عينه بولي عهده وسائر أفراد أسرته وشعبه آمين والحمد لله.