(خطبة عيد الفطر لسنة 1436)
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى ونشكره ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح للأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين من ربه فصلواته وسلامه عليه إلى يوم الدين. أما بعد فإن الله تعالى لما فرض علينا صيام رمضان بين لنا مقصِدَ إكمالِ عدتِه وفائدتَه العظمى فقال:
فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
عباد الله، في يوم عيد الفطر هذا وقد أكملنا بفضل من ربنا ونعمة عدة الصيام لا يسعنا إلا أن نعمل بهذه الآية المباركة فنكبر الله عز وجل ونشكره على ما هدانا إليه من الخير فنكون بحق من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. فالله أكبر الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. أحبتي في الله، أود بهذه المناسبة الجليلة تذكير نفسيَ المذنبةِ أولا وإخوتي وأخواتي الحاضرين بحديث شريف لحبيبنا المصطفى يحثنا فيه صلى الله عليه وسلم على حسن المعاشرة وعدم الإخلال بواجب الأخوة بين المؤمنين. وهذا الحديث كما، رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه، يقول فيه الحبيب:
إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا
وجاء في صحيح مسلم روايةً أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، حَرَامٌ دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ
أحبتي في الله ليس غرضي من سرد هذا الحديث، المؤسس للعلاقة التي ينبغي أن يكون عليها المؤمنون فيما بينهم، الدخولَ في تفاصيله و لا في شرح مفرداته وإنما أود الوقوف عند معنى أخوة الإسلام وسلامة الصدر التي تلازمها. إن المسلم بطبيعته لا يحمل في قلبه حقدا لأحد بل يحب الخير كل الخير لكافة الناس الذين يعيشون حوله في أمن وأمان وطمأنينة واطمئنان. المسلم، كما يريده الله، يسعى دائما لدرء الضرر عن إخوانه وكيف لا والحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول:
المُسْلِمُ مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالمُؤْمِنُ مَن أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِم
إن همَّ المسلم الحق هو أن لا يريد ولا يفعل شرا لأحد لأنه يعلم أن الله تعالى يجزي على هذا الخلق العظيم الجزاء الأوفى وكيف لا وهو سبحانه ينوه بمن يلتحق بركب الإيمان فيفهم فهما بينا بأن ما أقدم عليه يدعوه إلى نبذ الكراهية وتثبيت الود والمحبة والانسجام في صفوف من التحق بهم فيقول جل شأنه:
وَالَّذِينَ جَاؤُو مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ
فلنكن إذا أحبتي في الله في مستوى الفرحة التي يحدثها فينا عيدُ الفطر فنجعل من أنفسنا طرفا أساسا من هذا الصنف الذي لا يحمل الغل في قلبه لغيره بل كل هدفه أن يحب من يلقاه لا يشتهي له إلا ما يشتهيه لنفسه ويكره له كل ما يكرهه لنفسه بل يقدمه على نفسه. اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله وما علمتَ منه وما لم نعلم ونسألك الجنة وما يقرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول وعمل ونسألك من الخير ما سألك عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم ونستعيذك مما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد صلى الله عليه وسلم ونسألك ما قضيت لنا من أمر أن تجعل عاقبته رشداً برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم اقذف في قلبونا رجاءك واقطع رجاءنا عمن سواك حتى لا نرجوَ أحداً غيرك. اللهم وما ضعفت عنه قوتنا، وقصر عنه علمنا ولم تنته إليه رغبتنا ولم تبلغه مسألتنا ولم يجر على ألسنتنا، مما أعطيت أحداً من الأولين والآخرين من اليقين، فخصنا به يا أرحم الراحمين اللهم إنك تعلم سرنا وعلانيتنا فاقبَل معذرتنا وتعلم حاجتنا فأعطنا سؤلنا وتعلم ما في نفوسنا فاغفر لنا ذنوبنا. اللهم إنا نسألك إيمانا يباشر قلوبنا ويقيناً صادقاً حتى نعلم أنه لن يصيبننا إلا ما كتبته علينا ورضا بما قسمته لنا يا ذا الجلال والإكرام اللهم أتم علينا فرحة العيد واجعلنا يا ربنا من عبادك الصالحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين. اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى، سدد خطاه وثبت مسعاه، اللهم املأ قلبه بالإيمان ومنطقه باليقين واجعل فكره عامرا بذكرك آمين والحمد لله رب العالمين.