كلنا ضد تعنيف الأطفال واغتيال براءتهم (2)
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى ولا نحمد أحدا سواه ونشكرهُ جل وعلا شكرا لا ينبغي لأحد غيرِه، ونشهد أنه الله، لا إله إلا هو، أشار إلى الفعل السلبي والكارثي الذي يفعله العنف ضد الطفل على إيمانه به سبحانه وعلى إتباعه لهداه فقال عز وجل:
فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُه ورسوله، أعطانا خيرَ مثال في معاملة الأطفال والشباب برفق والنأْيِ عن تعنيفهم أو ضربهم أو سبهم أو النيل منهم، فعن أنسِ بن مالك رضي الله عنه قال:
خَدَمْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ قَطُّ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ، وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ e مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا
أما بعد، فيا أيها الإخوة البررة الكرام تكلمنا في الخطبة السابقة عن العنف ضد الأطفال وتواعدنا في آخرها أننا سنعود لإتمام الموضوع ولإيفائه حقه بما يتيسر من البيان؛ خصوصا وأن هذه الظاهرة المشينة أصبحت في مجتمعنا للأسف الشديد مألوفة. ويا ليتها كانت مقتصرة على ضرب في اليد أو على الدبر لتلقين الطفل بعض الآداب وتعليمه ما ينفعه؛ لقد امتدت إلى ما هو أخطر بكثير وأنكى حيث العنف الجسدي بشتى أطيافه من تعليق وخنق وسلخ والعنف اللفظي بالسب والشتم والتنقيص والعنف النفسي أدهى من ذلك وأمر؛ ألم تروا إلى ما أضحى يعانيه الأطفال في عالم الرقي والتقدم المزعوم؟ فعوض الرقي بالأخلاق ارتقينا بالمال ومحلَّ الرقي بالسلوك ارتقينا بالشذوذ والحروب والنزاعات الفارغة التي لا يَفهم كنهها الطفل فإذا به عند مشاهدة آثارها يندحر فيمتلئ خوفا وذعرا، ولا يدرِ ما الذي أصابه ثم ما الذي ينبغي له فعلُه للخروج مما هو فيه! ولعل بعضنا الآن يقول في نفسه إنَّ كل هذا موجود فعلا، ولكنه بعيد حيث إن مصدره النزاعاتُ المسلحة والتشردُ الناتجُ عنها كما نراه اليوم في أطفال الشام فما بالك تحدثنا عنه وبلادنا عافاها الله تعالى من مثل ذاك؟ إلا أنني لا أتفق مع هذا الاستدراك المحتمل والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه؛ إن الطفل لا يحتاج إلى نزاع مسلح لكي يتأثر نفسيا فهو يكفيه أن يشاهد أباه يضرب أمه أو شخصا يسب غيره ليفعل المشهد فيه الأفاعيل. فيا أيّها المُتخاصِمون إنَّ الله U حدَّد أوقاتاً لا يدخُل فيها الطفل على والديه حتى لا تقَع عيُنه على ما لا يُدرِك من المُباح؛ أفليس من بابٍ أَوْلَى أن نُشيحَ ببصره ونصرِف علمَه عن العلاقة السلبية بين والديه فيعيش في بيئةٍ نقية ونفسيةٍ رضيَّة؟ بلى! إن الخلاف عباد الله له آداب والخصومة لها حدود، فلا تتجاوزوا رحمكم الله ما أحله لكم الله، وكونوا في المستوى المطلوب من الصبر والأناة والتريث حتى وإن أدى النزاع القائم إلى فراق، فربنا جل جلاله هو الذي يقول:
لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ
ونحن للأسف الشديد غالبا ما نحول الأطفال في مثل هذه الظروف إلى أسلحة نضرب بها الطرف الآخر في النزاع فنفتح الباب للابتزاز فكم طفلٍ غُيِّب عن أمّه ولا ذنبَ له إلا خلافٌ لم يكن طرفًا فيه، ولكنه عُوقِب به ظلما وعدوانا، بينما نبينا صلى الله عليه وسلم يقول:
مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
فبأيِّ ذنبٍ يُحرَم الطفلُ حنان أمّه أو لقاء أبيه وهو بِضعةٌ منهما ولا غِنى له بأحدهما عن الآخر مهما فعل الأول لاستدراك ما ضاع من طفله؟ فيا مَن وقعَ الطلاقُ فيهم لا تنسَوا الفضلَ بينكم واتَّقوا الله في أولادِكم عاملوهم بالحسنى ولا تتوانى أيها الأب في إيتاء النفقة لأولادك. إياك أن تمنعهم إياها بحجة الانتقام من أمهم! ألا تحب أن يَبَرَّكَ أبناؤك في كبرك وبعد مماتك؟ اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم اجعل مجتمعنا راحما عطوفا متكاتفا آمين ونسألك العفو والعافية والمعافاة اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى ثبت اللهم مسعاه وسدد خطاه واملأ قلبه بالإيمان ومنطقه باليقين واجعل فكره عامرا بذكرك آمين. اللهم وأقر عينه بصلاح ولي عهده وطاعة كل أسرته وحب كافة شعبه آمينَ آمين والحمد لله رب العالمين.