كم من نقمة ظاهرة في طيها نعمة باطنة
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى ولا نحمد أحدا سواه ونشكرهُ جل وعلا شكرا لا نشكره أحدا غيره ونشهد أنه الله، دعا عباده المؤمنين إلى عدم الاكتراث بما يصيبهم من مصائب بل الاطمئنانِ على أنها إرهاصاتُ خيرٍ يعوضهم به تعالى، فقال جل في علاه:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُه ورسوله، حثنا على التفاؤل في الأمور كلها والنظرِ إلى المصيبة، حين تقع من غير سابق إنذار، بعين القبول والرضا لكونها من قدر الله تعالى تحمل حتما في طياتها خيرا كثيرا لا نراه ونعمة عظيمة لا نستشعرها، فقال صلى الله عليه وسلم:
مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا
أما بعد، فيا أيها الإخوة البررة الكرام أحببت أن أتعرض اليوم إلى موضوعٍ بالغِ الأهمية ولكن للأسف كثيرٌ منا لا يلتفت إليه جيدا ولا يتعامل معه كما ينبغي! إنه موضوع المصيبة حين تقع للعبد وكيف يكون رده تُجاهَها. إن معظم الناس حين يصيبهم مكروه أو تنزل بهم فاقة أو يحدث لهم ما يؤلمهم يتحسرون فمنهم من يبكي ومنهم من يلطم خده ومنهم من يظهر عليه أثر السخط والعياذ بالله سواء كان ذلك كلاما أو تصرفا أو فعلا فتراه لا يكاد يذكر أن ما أصابه هو تقديرٌ من الله له وبالتالي لا يليق به إلا أن يكون حاملا في طيه خيرا. فالأصل أيها الإخوة أن الله لا يفعل إلا خيرا، فَطِنَ بذلك من فَطِن وغَفَلَ عنه من غَفَل، قال تعالى:
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فهو سبحانه لم يقل بيدك الخير والشر بل اقتصر على الخير إشعارا منه لعباده بأن مردَّ أمرِه كلِّه خيرٌ ولو بدى العكس للعبد المفتون، وفي الحديث:
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
فيا أيها المصاب اصبر على الدواهي التي تحل بك واحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ بالاسترجاعِ وبقولِ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ برفع يديك إليه وَلَا تَعْجَزْ عن المجاهدة والعمل على إزالة ما حل بك وقل دائماً الحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه. أيها المؤمنون، كم من الناس أصابه من الرزايا والمحن ما جعله يتعرف على أخطاء فعلها فإذا به يراجع تصرفاته فينقلب ذلك خيرا عليه وعلى ذويه؟ وكم منهم أصيب في صحته فكان ذلك سببا في عودته إلى رشده وتوبته إلى الله مما خول له كسب رضا ربه؟ وكم من مخفق في امتحان أدى به إخفاقه إلى مراجعة دروسه وتكوين نفسه أحسن ما كان عليه فإذا به يلتحق بركب النشطاء الناجحين؟ فالنقمة تحمل لا محالةَ في طيها النعمةَ وذلك بمجرد أن يبدي العبد عدم سخطه على ما حل به من مكروه علما منه أن الله بإصابته تلك له ربما صرف عنه ما كان أدهى عليه منها فقد قال ابن مسعود رضي الله عنه:
إِنَّ العَبْدَ لَيَهُمُّ بِالأَمْرِ مِنَ التِّجَارَةِ وَالإِمَارَةِ حَتَّى يُيَسَّرَ لَهُ فَيَنظُرُ اللهُ إِلَيْهِ فَيَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ اِصْرِفُوهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ إِن يَسَّرْتُهُ لَهُ أَدْخَلْتُهُ النَّارَ فَيَصْرِفُهُ اللهُ عُنهُ فَيَظَلُّ يَتَطَيَّرُ بِقَوْلِهِ سَبَّنِي فُلانٌ وَأَهَانَنِي فُلانٌ وَما هُوَ إِلا فَضْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ
فكن دائما ممن يذكر قوله تعالى
قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
فإنه من فعل ذلك كان من المطمئنين لأنه موقن بأن ما يصيبه فيه خيره، وعن أنس:
إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَن لا يُصلِحُ إِيمَانَهُ إِلا الفَقْرُ وَإِن بُسِطَ عَلَيْهِ أَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَن لا يُصلِحُ إِيمَانَهُ إِلا الغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَن لا يُصلِحُ إِيمَانَهُ إِلا الصِّحَةُ وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَن لا يُصلِحُ إِيمَانَهُ إِلا السَقَمُ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَ إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَن يَطْلُبُ بَاباً مِنَ العِبَادَةِ فَأكُفُّهُ عَنهُ لِكَيِلا يَدْخُلَهُ العُجْبُ إِنِّي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ، إِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ
وقال تعالى في هذا الصدد:
مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
فاللهم ألهمنا مراشد أمورنا واجعلنا يا الله من الذين يفقهون حق الفقه أمور الدنيا وحوادثها، اللهم وفق ولي أمرنا سدد اللهم خطاه وثبت مسعاه واملأ قلبه بالإيمان ومنطقه باليقين واجعل فكره عامرا بذكرك اللهم وأقر عينه بصلاح ولي عهده وطاعة أسرته وكل شعبه آمين وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.