التداوي من الأمراض والوقاية منها
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى إذ لا ينبغي الحمد إلا له ونشكرهُ جل وعلا إذ بشكره يُحَصَّلُ مزيدُه ونشهد أنه الله الذي لا إله غيره، حكى لنا عن نبيه إبراهيم مع قومه أنه لما أراد أن يعرف لهم ربه قال لهم عنه سبحانه أنه هو:
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُه ورسوله سئل يوما من طرف أعراب عن التداوي من الأمراض فقال صلى الله عليه وسلم:
تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ، الْهَرَمُ
أما بعد، فيا أيها الإخوة البررة الكرام في مثل هذا اليوم من كل سنة ميلادية تحيي المنظمة العالمية للصحة اليوم العالمي لمحاربة داء حمى المستنقعات وهو مرض ينتشر في إفريقيا جنوب الصحراء يودي بحياة ملايين البشر في العالم كل سنة، إلا أن بفضل الجهود المبذولة في محاربته تراجع عدد الذين يموتون من جرائه ومن يصابون به مما يدل على أن الدواء ناجع وأن الوقاية نافعة، ولست هنا بصدد إلقاء درس طبي فأفصل في الأدوية المستعملة ولا في طرقِ الوقاية من هذا الداء الفتاك وإنما هدفي توجيهُ الكلام نحو وجوب التداوي من جميع الأمراض وضرورة الوقاية منها كلما كانت هذه الأخيرة ممكنة. أجل أيها الأحبة، إن حديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم يوحي لنا بوجوب التداوي حيث فيه أمر به، بل جاء في رواية الإمام ابن ماجه لذات الحديث أن الأعراب لما سألوه قالوا له:
هَلْ عَلَيْنَا جُنَاحٌ أَنْ لَا نَتَدَاوَى؟
أي، يا رسول الله، إذا لم نتداوى هل علينا من إثم فأمرهم النبي بالتداوي وكأنه يقول لهم ضمنيا نعم، بل عليكم بالبحث عن دواء كل داء أنزله الله تعالى. وهنا، عباد الله، أبلغ القصد من هذه الخطبة. إن التداوي يحصل فقط بعد بحث علمي تجريبي مقنن عن الدواء لكل مرض بل لكل حالة من الحالات المرضية ولا يكون أبدا باللجوء إلى العشابة والمشعوذين ومن يشبههم ممن هم في القنوات والإذاعات على الطب متطفلين ولله المشتكى وهو المستعان وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه؛ أيها الإخوة البررة الكرام، لعله قد ظهر بوضوح قصدي من تخصيص الخطبة لموضوع التداوي
ولا يحتاج الأمر إلى مزيد تفصيل إلا أنني سأقول ومن موقع الطبيب الذي أحتله أن الوصفة الطبية تشبه فتوى الفقيه إذ تستجيب لحالة معينة ولا يمكن تطبيقها تلقائيا على صديق المريض أو جاره إذا أصيب ظاهريا بمرض يشبه مرضه. فكما لا يليق بالفقيه أن يفتي في الفضائيات لناس معينين في مجتمع غير الذي يعيش فيه هو فكذلك الطبيب لا يمكنه معالجة حالة على الهواء دون رؤية المصاب فيطلع جيدا على ما ألم به من أعراض وما أصابه من أوجاع. فاتقوا الله يا من تلعبون على سذاجة العباد ولا تنسوا أنكم واقفون أمام رب العباد:
إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا
فلا تنسوا أن تستعدوا لهذا الموقف الرهيب! ثم ماذا يمكنني أن أقول عن الوقاية وهي شطر ثان في الخطبة. ألا فلتعلموا أن الآيات التي صدرتُ بها الخطبة أصلٌ عظيم في بيان ضرورة الأخذ بالوقاية كركيزة من ركائز كل علاج حيث إن إبراهيم عليه السلام لما ذكر المرض عزاه لنفسه ولم يرده لله تعالى كما فعل الأوصاف الأخرى فقال:
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
ولم يقل والذي يمرضني ويشفين وهذا يدل على أن الإنسان له قسط كبير من المسؤولية حينما يصاب بمرض ما وبالتالي فعليه أن يتقي أسباب ذلك المرض حتى ينجو منه بإذن الله اللهم ألهمنا مراشد أمورنا واسترنا يا ربنا اللهم قنا الأمراض والأدواء وارزقنا العافية يا رب الأرباب. اللهم وفق ولي أمرنا، سدد اللهم خطاه وثبت مسعاه واملأ قلبه بالإيمان ومنطقه باليقين واجعل فكره عامرا بذكرك اللهم وأقر عينه بصلاح ولي عهده وطاعة أسرته وكل شعبه آمين وصل اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.