لنحافظ على كرامة الإنسان
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى إذ لا يليق الحمد إلا له ونشكره جل وعلا إذ أفاض علينا من نعمه، ونشهد أنه الله خلق الإنسان فجعل من خصائصه أن كرمه وفضله على سائر خلائقه فقال سبحانه وتعالى في محكم تنزيله:
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُه ورسوله وصفيُه وخليله ومصطفاه من خلقه بيَّنَ بكامل الوضوح وجها من وجوه ذاك التكريم الإلهي العظيم فقال في خطبة ألقاها في وسط أيام التشريق، عام حجته وهو يودعنا:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَباكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بالتَّقْوَى
أما بعد، فيا أيها الإخوة البررة الكرام قبل أيام ثلاثة أحيتِ الأمم المتحدة ما يسمى باليوم الدولي لمساندة ضحايا الرق في العالم، وتمت خلاله الملاحظة على أن المغرب لا يزال يحتضن قرابة خمسين ألف عبدٍ وأمة خصوصا في المناطق الجنوبية الشرقية وأنه بذلك يحتل المرتبة الثالثة والتسعين في العالم رغم توقيعه على اتفاقية محاربة الرق قبل خمسٍ وخمسين سنة وهذه حالة أقل ما يمكن القول فيها إنها مخجلة لأن ديننا الحنيف حرص كل الحرص على إقناعِ أتباعه بتحرير العبيد ومن ثم تجفيفِ ينابيع هذه الآفة. وهكذا فرض الإسلام كفارات في القتل الخطأ وفي الظهار وفي اليمين فقال تعالى:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ
وَالَّذِينَ يَظَّهَّرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
وبغض النظر عن الكفارة ووجوبها رغَّب الإسلام في التقرب إلى الله عز وجل بعتق الرقاب دون ما سبب فقال صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كما يرويه أبو هريرة:
مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً، أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ
ولهذا كان السلف الصالح يلجأ إلى عتق العبيد من غير تردد بل ويبالغ في ذلك حتى قال نافع مولى ابن عمر:
مَا مَاتَ ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما حَتَّى أَعْتَقَ أَلْفَ إِنسَانٍ أَوْ زَاد
وما قصة أبي أبكر مع بلالٍ وغيرِهِ من ضحايا الرق عنا بغريبة فالحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه؛ فانطلاقا من هذه النصوص ومن وضعنا المؤلم تجاه هذه القضية في بعض مناطقنا، ألا يليق بنا السعيُ للقضاء على هذه الآفة سواء بأشكالها القديمة أو بتلك التي ظهرت في العصور الحديثة كالتشغيل القهري غير المؤدى عنه وتعذيب الخادمات في البيوت وبيع الأطفال إلى الأجانب وكالرق تحت وطأة الدَّيْنِ وغير ذلك من أنواع الرق الجديد؟ لقد أصبح العمل في كنه هذا الإطار ضروريا لا يحتمل الانتظار ولا التسويف لأن رد كرامة الإنسان إليه مهما كان شكله أو نوعه أو عرقه ضروري بموجب تكريم الله تعالى له الذي أسلفنا. فإذا عملت على تحرير العبيد طلبا للأجر والمثوبة، وهو أمر جيد، فاعلم أن ثمة رقا ينبغي لك أيضا محاربته. إنه رق الشيطان والمعصية والهوى والنفس الأمارة بالسوء! فهل يعقل أن تعتق العبيد لوجه الله تعالى وتترك نفسك غير محررة؟ ألم تسمع إلى قوله صلى الله عليه وسلم:
كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا
مما يدل على أن كُلًّا منَّا ساعٍ في هلاك نفسه أو في عتقها. أما ضياعها ففي المعاصي والذنوب التي يرتكبها، وأما نجاتها ففي تسخيرها في طاعة ربها بتسع خصال وقع في القرآن ذكرُها ومِن نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم جرى تطبيقُها:
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ
فمن هم هؤلاء المؤمنون يا ترى؟
التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ
فكل عمل صالح يقربك من الله كفيل بأن يعتق رقبتك من النار ويدخلك الجنة ولعله تتاح لنا الفرصة للتفصيل في هذا الموضوع فنحن محتاجون إليه أشد الاحتياج في عصر طغت علينا فيه المادة؛ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ. اللهم ألهمنا مراشد أمورنا واسترنا واحفظنا واهدنا وكن لنا يا ربنا. اللهم وفق أمير المؤمنين سدد يا رب خطاه وثبت مسعاه واملأ قلبه بالإيمان ومنطقه باليقين واجعل فكره عامرا بذكرك اللهم وأقر عينه بصلاح ولي عهده وطاعة أسرته وشعبه آمين وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.