الإسلام دين النظافة بامتياز
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى إذ لا يليق الحمد إلا له ونشكره جل وعلا إذ أفاض علينا من نعمه، ونشهد أنه الله جعل من أول أوامره لنبيه الكريم أن وجهه إلى تطهير ثيابه وتنظيف حاله والحرص على دفع الأدران من حوله فقال له في بعض أول ما أوحى به إليه:
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُه ورسوله وصفيُه وخليله ومصطفاه من خلقه كان أنظف الناس وأطيبهم رائحة وأحسنهم منظرا، حتى قالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها كما هو مبثوث في الصحيح:
كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ إِحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ
وفي حديث آخر:
كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ
أما هو صلى الله عليه وسلم فكان يحث على النظافة فيقول فيما يرويه عنه الترمذي:
إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا، أُرَاهُ قَالَ: أَفْنِيَتَكُمْ وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ
وفي رواية غيره من أئمة الحديث:
فَنَظِّفُوا بُيُوتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ الَّتِي تَجْمَعُ الأَكْنَافَ فِي دُورِهَا
أما بعد فقد طلب مني في الأسبوع الماضي إفراد خطبة لموضوع النظافة فبادرت بالاستجابة استعجالا مني للخير الذي أَمَرَنَا بفعله ربنا جل وعلا حين قال وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ولعل قائلا يقول، وما الفائدة في الكلام عن النظافة في عصر كعصرنا والذي أصبح فيه أمرها محسوما فالكل يعلم أهميتها ولا يجادل في وجوب تنزيلها على أرض الواقع والدراسات العلمية تثبت ذلك وتؤيده؛ والجواب ليس في العلم بأهميتها ولا وجوبِ تنزيلها على أرض الواقع ولكن في النظر في مدى تطبيقنا لتعاليمها وأخذنا بأسبابها أم أنني لوحدي أعاني من أفواهٍ رائحتُها لا تطاق وأرجلٍ، في المسجد، تشمئز من رؤيتها العيون وأزبالٍ متطايرة هنا وهناك لا يبالي أصحابها أَوَضَعُوهَا في القمامة أم ألقوا بها في الشوارع والزقاق؟ لو كنت وحدي أعاني من هذا الواقع المرير لما طُلِبَ مني الكلام في الموضوع! فاللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة آمين والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه؛ إن حبيبنا محمدا يوصينا بتطهير الفم والأسنان ويقول:
تَسَوَّكُوا فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، مَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ إِلَّا أَوْصَانِي بِالسِّوَاكِ، حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي؛ وَلَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْتُهُ لَهُمْ، وَإِنِّي لَأَسْتَاكُ حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِيَ مَقَادِمَ فَمِي
ألا تعلم يا أُخَيّ أن أطباء الأسنان في زمن العلم هذا يوصونك بتطهير فمك ولو فقط بالماء مضمضةً، كلما أكلت شيئا، فأين نحن من هذا والناس تأكل وتصلي وتنام وتستيقظ وبقايا الطعام عالقة في أسنانها ألم تسمع إلى قوله:
مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ
فما بالك بمن يدخن أو يشرب أو؛ ثم يلج على إخوانه الأفنية غيرَ مبال بما يُحدثه فيهم من انزعاج؟ أليس أيضا من اللباقة غسلُ جسمك وخصوصا رجليك وتطييبُ كل ذلك قبل دخول المسجد والأماكن العامة؟ ثم هل من المعقول أن تكون مساجدنا ومرافقها الصحية على الحال المزرية التي نراها عليها؟ إنني لأغار حين أدخل مرفقا صحيا في أوروبا ثم أرى مراحيض مساجد المسلمين فيها ورحم الله من قال: إذا أحببت معرفة مستوى تقدم قوم فانظر إلى نظافة ساحاتهم العامة ومرافقهم الصحية! ولله ذر اليابانيين والسنغفوريين والسويسريين وأستغفر الله تعالى؛ ألسنا أولى بالنظافة والريح الطيب والمنظر الجميل؟ ففي موطأ مالك
دَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ بِيَدِهِ أَنُ اخْرُجْ كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلَاحَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ فَفَعَلَ الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ لَهُ صلى الله عليه وسلم أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ؛
ثم ألا يكفينا هذا الحديث الشريف:
الْفِطْرَةُ، الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَالسِّوَاكُ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَالِاسْتِحْدَادُ وَالِاخْتِتَانُ وَالِانْتِضَاحُ
اللهم ألهمنا مراشد أمورنا واسترنا يا الله بسترك واحفظنا بحفظك وكن لنا ولا تكن علينا آمين. اللهم وفق ولي أمرنا سدد خطاه وثبت مسعاه واملأ قلبه بالإيمان ومنطقه باليقين وفكره بذكرك اللهم وأقر عينه بصلاح ولي عهده وطاعة أسرته وشعبه آمين وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.