الاجتهاد في فعل الخير
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى إذ لا يليق الحمد إلا له ونشكره جل وعلا إذ أفاض علينا من نعمه، ونشهد أنه الله حثنا سبحانه وتعالى على فعل الخير والاجتهاد عليه فقال جل شأنه:
وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُه ورسوله وصفيُه وخليله ومصطفاه من خلقه، دلنا على بعض أبواب الخير فقال لمعاذ وهو يعلمه وكان قد سأله:
أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ
وهذه كلها كنايات عن حثه صلى الله عليه وسلم على الإتيان بالنوافل كلما تأتى للعبد ذلك ثم إن ناسا من أصحابه قَالُوا له:
يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ فقَالَ عليه الصلاةُ والسلامُ لهم:
أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ، إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ! قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ
فيا أيها الإخوة البررة الكرام هذه هي أبواب الخير تنتظر منا متى نلجها فهلا قمنا مسرعين بالدخول فيها وأخذ ما طاب من بضائعها؟ فأين نحن من التزود بالتقوى ومن صيام تطوعا لله ومن صدقة غير متبوعة بمن مضيِّعٍ لها ومن قيامِ ليل تتورم منه الأقدام وتَسْوَدُّ منه الجفون؟ ثم هب أن لك عذرا في عدم الإتيان بهذه الأربعة فهل لا تستطيع ترويض لسانك على ذكره سبحانك أم أنك غيرُ قادر على ذلك بسبب ما أنت فيه من أشغال « مهمة » لا تترك لك مجالا للتفكير في التحميد والتسبيح والتكبير والتهليل ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن منكر وحتى لو افترضنا أنك في هذه الحالة فباب الخير لم ولن يغلق دونك بل تفعله بترك الشر وبالابتعاد عن الحرام فذاك خير لا تعذر بتركه أبدا اللهم أن تكون من العاجزين والعاجز عياذا بالله هو كما عرفه الحبيب صلى الله عليه وسلم حين قال:
الْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ
اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل ومن الجبن والبخل والحمد لله.
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه، إذا أحببت أيها الأخ المسلم الكريم أن لا تكون عاجزا فاحرص على أن تكون من الأكياس والكيَِّسُ هو كما عرفه النَّبِيُّ
مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ
وما بعد الموت هو النعيم الموعود به في الآخرة وليس ثمة شيء أفضل ولا أنجع للفوز به من عمل الخير الذي أشرنا إليه آنفا عسى أن تكون ممن يقال له يومئذ:
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
فإن قيل زد في عد أبواب الخير عسى أن ندخل في ما تيسر لنا منها قلت أقم صلاتك حق إقامتها وأد زكاة مالك في حينها وقدم لنفسك خيرا:
وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
عليك بقراءة القرآن وملازمتِها وتدبرِ آياته وتنزيلها وأخذِ حروفه وتعليمِها لأن حبيبك صلى الله عليه وسلم يقول لك في ذلك:
خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
ثم اجتهد في معاملة المرأة واليتيم وكل مستضعف بالحسنى ولا تتوانى فقد قال تعالى عنها وفيها:
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا
ثم ماذا بعد هذا؟ عليك يا سيدي بالإنفاق من كل ما تملك واترك البخل والشح جانبا كلما تمكنت إلى ذلك سبيلا فربك تبارك وتعالى يقول لك:
وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
فإذا قلت من ماذا أنفق ولمن أعطي قلنا لك كما قال ربك في القرآن:
قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ
علما بأن المنفق في سبيل الله لا يضام في الفوز برضا الله. قال تعالى:
الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
اللهم ألهمنا مراشد أمورنا واسترنا يا الله بسترك واحفظنا بحفظك وكن لنا ولا تكن علينا آمين. اللهم وفق ولي أمرنا سدد خطاه وثبت مسعاه واملأ قلبه بالإيمان ومنطقه باليقين وفكره بذكرك اللهم وأقر عينه بصلاح ولي عهده وطاعة أسرته وشعبه آمين وآخر دعوانا الحمد لله رب العالمين.