الموت، الحقيقة المرة التي لا مفر منها
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى إذ تَعَزَّزَ بقدرته ونشكره جل وعلا إذ اِنفَرَدَ بوحدانيته، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، ونشهد أنه الله خلقنا فرزقنا ورعانا فقدر لنا الحياة إلى أجل مسمى ثم قهرنا بالموت فقال:
ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
ونشهد أن نبينا وحبيبنا محمدا عبدُه ورسوله وصفيه وخليله ومصطفاه من خلقه صلوات ربي وسلامه عليه أنبأنا عليه الصلاة والسلام بحقيقة الموت المرة التي لا مفر منها فقال كما يروي ذلك أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:
يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ، خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأَ: وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
أما بعد فيا أيها البررة الكرام هذه آخر جمعة في الربيع النبوي وقد عشنا فيه مع الحبيب، ففرحنا بذكراه ثم دعونا أنفسنا لإتباع هداه ثم صلينا وسلمنا عليه وها نحن نتذكر أن الشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم هو نفسه الذي توفيَ فيه وبذلك يتوجب علينا ألا ننسى الموت فهو كما سماه الحبيب هاذمُ اللذات ومنغصُ الحياة. من منا يستطيع أن ينكره أو يتحداه؟ إن الموت لا يُفَرِّقُ بين صالح ولا طالح ولا نبي ولا ملك ولا قوي ولا ضعيف فهو آت لا محالة وسيحل بكل نفس فتشهق فهنيئا لمن جاءه وهو مسجل عند الله تعالى في سجل الإسلام لأنه بذلك سيكون قد عمل بأمر ربه له وطوبى لمن يعمل به:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
لا يجوز لإنسان أنى كان شأنه أن يموت على غير شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فهذا أمر مفروغ منه وعلى الإنسان أن يُعمِلَ كلَّ جهده من أجل نيله. إلا أن السؤال هو وكيف لي أن أعلم متى سأموت حتى يجدني الموت مسلما؟ فلله الحمد والمنة!
الحمد لله والصلاة والسلام على نبي الله وآله ومن والاه، أيها الإخوة البررة الكرام، إن الله تبارك وتعالى يقول:
وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
إن المرء لا يدري متى وأين سيموت وبالتالي ليس له من حل لتطبيق الآية السالفة الذكر إلا أن يلتزم بالإسلام دون تردد ولا تأخر ومنَ الآن، ليكون بذلك مستعدا للقاء الله في أي لحظة من حياته فلا يَرَيَنَّك الله إلا وأنت بتوحيد ربك تتنفس وبالصلاة تذكره وبالقرآن تطمئن وبحسن الخلق تعامل فهذه هي رسالتك أيها الإنسان فإياك أن تغرك الحياة الدنيا وزينتُها، فذلك وهْمٌ ولا يليق الوقوف عنده بأكثر مما يستحق، تماما كما قال لك حبيبك:
كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنه يَقُولُ:
إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ
وصدق الله العظيم حين قال:
وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ
عباد الله، إننا لم نخلق سدى ولا عبثا وإننا رغم الموت لم نخلق للفناء، بل إن الله خلقنا للبقاء فسواءً كان الإنسان في الجنة أو في النار فسيقال له خلود لا موت، فَلْنَعْمَلْ إذن على أن لا يكون بقاؤنا في النار، بل أن يكون في الجنة حيث رضوانُ الله ومعيةُ رسول الله فيا له من موقف جليل ومآب ظليل ونعمة ما فوقها نعمة. قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً
اللهم صل وسلم على محمد وآله
اللهم ارحمنا واهدنا واهد بنا وكن لنا ولا تكن علينا اغفر لحاضرنا وغائبنا ولحينا وميتنا ونجنا من كيد الشيطان ووسوسته. اللهم ثبتنا على الإسلام واشرح صدورنا للإيمان ووفقنا لأن نكون من أهل الإحسان. اللهم انصر ولي أمرنا اللهم سدد خطاه وثبت مسعاه واملأ قلبه بالإيمان ومنطقه باليقين وفكره بذكرك. اللهم أسعده وأقر عينه بصلاح ولي عهده ووفاء أسرته وشعبه آمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.