أسس التربية
الحمد لله رب العالمين لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى نحمدك اللهم على كل
حال ونعوذ بك اللهم من حال أهل الضلال ونشهد أنك الله لا إله إلا أنت ما تركت أمرا نافعا إلا وذكرته لنا في كتابك أو على لسان نبيك لعلنا نأخذ به فنسعد في الدنيا ثم نفوز في الآخرة فقلت وقولك دائما حقٌّ وصدق ولا خيرَ في من لا يصدقه ولا يعمل به :
إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
نشهد أن محمدا عبدُك ورسولك ما أفضله من قدوة تحتذى وما أحسنه من أسوة جديرة بالإتباع، كان سيد المربين وإمام الناس في تعليمهم الخُلُقَ العظيم الذي يسوقهم إلى الفوز المبين حيث قال عليه الصلاة والسلام:
عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسَتَرْجِعُونَ إِلَى قَوْمٍ يُحِبُّونَ الْحَدِيثَ عَنِّي، فَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ حِفْظَ عَنِّي شَيْئًا فَلْيُحَدِّثْهُ
ما بعد، فلا زلنا عباد الله نقتفي أثر بنود المنظومة التربوية الواردة في سورة لقمان وقد فصلنا في الخطبة الماضية بند التكوين العقدي ونتطرق في هذه للبندين الثاني والثالث واللذَيْن قدمنا لهما سالفا؛ أما البند الثاني فهو الذي يروم التكوين العاطفي إذ قال تعالى:
وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنُ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
فهذا التكوين ضروري لكل فرد حتى يتعلم خُلُقاً عظيما ألا إنه خُلُقُ الوفاء والاعتراف بالجميل فقد قال صلى الله عليه وسلم:
مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ
ومن المعلوم أن شكر الله من بديهيات وأسس هذا الدين التي بدونها لا يستقيم فقد قال الله تبارك وتعالى:
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ
وهذا معناه أن الذي لا يشكر يكاد أن يكفر والعياذ بالله فمن المؤكد إذن أن تتعرض منظومتنا التربوية إلى هذا الأمر بما يستحق من الاهتمام حتى تتكون ناشئتنا على رد الخير بالخير والشر بالعفو لأن الله تعالى يقول في الآية الكريمة التي تلي هذا البند:
وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا
وهذا معناه أن قيام خلق الوفاء يبقى ساريَ المفعول ولو وقع ما يُلزم الفرقة بين الناس فسبحان الله والحمد لله.
وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
فليس لإنسان أبدا أن يرغم غيره على إتباعه وليس له أن يركع هو لمن يريد إزاغته عن الصراط المستقيم فالذي يفصل بين
الناس هو الله عز وجل! أما هو فلا يحكم على أحد بشيء ولا يتألى على الله في شيء! أما البند الثالث من منظومتنا التربوية فهو بند التكوين على المواطنة حيث يقول تعالى على لسان لقمان الحكيم المتكلم مع ولده:
يَا بُنَيِّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
وإنما سميناه تربيةً على المواطنة لأن الإنسان الذي يستشعر مراقبة الله في كل أوقاته وعند كل حركة وسكنة لا يمكنه البتة أن يقوم بعمل يخل بالنظام العام فيرميَ مثلا فضلاته في الشارع ولا يحرق الضوء الأحمر عند غياب الشرطي ولا يغش في سلعة يعرضها في تجارته ولا يقبض رشوة أو يستعمل سيارة الدولة لقضاء مآربه الخاصة ولعل هذا البند يطالبنا بإفراد خطبة أخرى له فنسأل الله أن يوفقنا لذلك اللهم إنا نعوذ بك من تحول عافيتك وجميع سخطك، اللهم اكتب لنا ما ترضى به عنا واجعلنا ممن يطبق ما هو مسطور في كتابك اللهم مُنّ علينا بأمن البلاد وصلاح الأولاد والفوزِ يومَ المعاد اللهم احفظ أمير المؤمنين سدد اللهم خطاه وثبت مسعاه واملأ قلبه بالإيمان ومنطقه باليقين وكلَّه بذكرك واجعلنا وإياه من الراشدين آمين.