النظافة من الإيمان
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى كما ينبغي ونشكره جل وعلا كما يلـيق ونشهد أنه الله.. حثَّ عباده على النظافة باطنيا وظاهريا فقال:
إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا محمدا رسولُ اللهِ بَيَّنَ أهميَّةَ النظافةِ فقال:
إِنَّ الله طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ، نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الكَرَمَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ، فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلاَ تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ
أما بعدُ فإن صحةَ الأجسامِ ونظافةَ الأبدانِ لمن الأمور التي اعتبرها الإسلام من صميم رسالتِه وجوهرةً من جواهرِ دعوتِه.. والنظافةُ التي يدعو إليها ديننا تمَسُّ كلَّ جوانبِ الحياة.. فالشخص لا يكون ذا بال في ميزانِ الدين إلا إذا تعهَّدَ جِسْمَهُ بالنظافة وجعل مطعمَهُ ومشربَهُ بعيدَيْنِ عن الأدران المكدرة وهيئتَهُ نائية عن الأحوال المنفرة.. وهكذا نجد أن الإسلام جعل طهارةَ البَدَنِ شرطاً من شُروط أعظم ركنٍ فيه وهو الصلاة التي تتكرر خمس مرات في اليوم كما كلَّفَ المسلمَ بالاغتسال في أحيانٍ كثيرة وفي مناسباتٍ عديدة:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ.. وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ
ولم يَدَعِ الإسلامُ أمرَ الغسلِ إلى حين تَوَفُّرِ الظروف التي تفرضه بل وقَّتَ له على الأقل، يوما في كل أسبوع.. ففي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام:
غُسلُ يومِ الجُمعةِ واجبٌ على كل مُحتلمٍ وَسِوَاكٌ وَيَمَسُّ مِنَ الطِّيبِ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ
أما عنِ النظافة في الأحوال العامة فقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعدادَ للأكل بغُسل اليدين وقال في ذلك:
إِذَا نَامَ أَحَدُكُمْ وَفِي يَدِهِ رِيحُ غَمَرٍ فَلَمْ يَغْسِلْ يَدَهُ فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ
بمعنى من بات وفي يده بقايا الطعام ورائحتُه ولم يحترز من الجراثيم التي تجد مرتعا في هذا الجو فنتج عن ذلك مرضٌ فلا يلومنَّ إلا نفسه. وقال صلى الله عليه وسلم:
السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ
والسواك لا شك هنا، كلُّ ما يُعين على تطهير الفم من إصبع أو أراك أو فُرشاةٍ أو معجون للأسنان.
ثم إن الإسلام أوصى بأن يكون المرءُ حَسَنَ المنظرِ كريمَ الهيئةِ.. فعن عطاءٍ بن يسار قال:
كَانَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي المَسْجِدِ فَدَخَلَ رَجلٌ ثَائِرَ الرَّأُسِ واللِّحْيَةِ.. فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ أَنْ اخْرُجْ كَأَنَّهُ يَعْنِي إِصْلاَحَ شَعَرِ رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ.. فَفَعَلَ الرَّجُلُ ثُمَّ رَجَعَ.. فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: أَلَيْسَ هذَا خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أحَدُكُمْ ثَائِرَ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ؟
نفعني الله وإيَّاكم بالقرآن الكريم وبحديث سيد الأولين والآخِرين ويرحم الله عبدا قال آمين.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المصطفى الأمين.
أما بعد، فإن الإسلام لم يقف من النظافة عند حد الأشخاص والأفراد بل تعدَّاه إلى بيوتاتهم وشوارعهم.. فعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
الإِيمانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأرْفَعُهَا لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ وَأدْنَاهَا إمَاطَةُ الأَذَى عن الطَّرِيقِ وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمانِ
نعم إن بيوتنا عموما تزخر بشيءٍ من النظافة والعناية ولكن أيمكننا أن نقول نفسَ الكلام عن شوارعنا وشواطئنا التي لا تكاد تُنظفُ من طرف المصالح المختصة حتى تمتلئ من جديد وبسرعة فائقة بالأوساخ والنفايات؟ فما بال أقوام لا يُحْرِجُهُمْ رَمْيُ الأزبال في الطرقات ولا يخجلون من تلويث البيئة بالأوعية البلاستيكية؟ وما بال أقوام يستقلون السيارات الفاخرة مما يدل مبدئيا على مستوياتهم الاجتماعية ولكن للأسف الشديد لا يمنعهم ذلك من إلقاء السجائر والمناديل وقنينات المشروبات الغازية من نوافذها؟ وما بالُ أناس لا يستترون ولا يتورعون فيتبولون في الطرقات العامة وما بال آخرين يدخنون ويلوثون كلَّ الأمكنة وكان أحرى بهم ألا يدخنوا بالمرة؟
اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد
اللهم إنا نسألك الرشاد والتقى والفوز بالجنة. اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا سببا لمن اهتدى.. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما.. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتجاوز لنا عن زلاتنا وارحمنا برحمتك الواسعة يا رب العالمين.
اللهم أيد أمير المؤمنين بالإيمان والتقى وأعنه يا رب على إعلاء كلمتك ونُصرة دينك والسير ببلادك نحو النظافة والطهارة وحسن منقلبِك. اللهم قو دائرته وبطانته بالصادقين المخلصين وأسعده يا رب بولي عهده زيادة في الإسلام وقلعة من قلع الدفاع عن الدين.
اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل الإسلام والمسلمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ.. فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
جعلني الله وإيَّاكم منهم آمين والحمد لله رب العالمين.