محاسبة النفس قبل فوات الأوان
الحمد لله رب العالمين نحمدك ربي ونشكرك ونستعين إياك ونستغفرك ونشهد ألا إله غيرك ذكَّرتنا بهول يوم القيامة فقلت وقولك الحق:
فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
ونشهد أن حبيبنا محمدا عبدك ورسولك أكَّدَ لنا هذا المعنى فقال:
تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا فقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ! فَقَالَ: الأمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاك
عباد الله، إن امتحان الآخرة ليس كامتحانات الدنيا التي تقع فيها المناوشات وتُعتمد فيها معاييرُ في النجاح ربما تتجاوز كفاءة الممتحَنِ إلى علاقاته الشخصية أو معارفه العائلية! إن امتحان الآخرة لا مجال فيه للتدخلات ولا محل فيه للغش ولا تعطى فيه الرشاوى..
وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ
فإذا كان الناس يستطيعون فعلا استعمال الغش والتدليس وإعطاء الرشوة لضمان النجاح في امتحانات الدنيا ففي الآخرة لا ينفعهم إلا عَمَلُهُمُ الذي قدموه.. قال تعالى:
قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ
فيا حسرةً على من انشغل بالدنيا وألهاه لعبُها عن جِدِّها فكان من الراسبيـن في الآخرة. إن الطـالب المجتهدَ أيها الناس، ليُعدُّ ليوم الامتحان من أول يوم في السنة.. أما الكسول، فإنه يُتبع نفسَهُ هواها ويتمنى على الله الأماني.. وهذا عين حال الناس في الآخرة: فريق أعد للآخرة عُدَّتهاَ فكان من الناجحين، مصداقا لقوله تعالى:
وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا
وفريق أنكر الحساب والحياة بعد الموت فجعل الظَلَمَةَ كالمظلومين والمفسدين كالمصلحين بينما ربنا تبارك وتعالى يقول:
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا، ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ .. أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ
كلا، لا يمكن أن يقع هذا بالبساطة ذي، وإلا فمن يعوض من قاسى الويلات من أجل نصرة الحق ومن يعوضه عما قدم سوى العدالة الإلهية التي لا محيص عنها..
أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون
وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
نفعني الله وإياكم بالقرآن الكريم وبحديث سيد الأولين والآخرين وعفر لي ولكم ولسائر المسلمين ويرحم الله عبدا قال آمين.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبيه الكريم.. هناك أيها الإخوة المؤمنون صنف ثالث من الناس من غير الفريق الأول ولا الثاني نعوذ بالله أن نكون منهم.. إنه صنف الغافلين الطائشين. نـاس آمنوا بالآخرة بعد الدنيا وبالبعث بعد الموت وبالجزاء بعد الحساب لكنهم غفلوا عن هذا المصير فغرِقوا في غياهب شهوات الدنيا وعاشوا في زينة مفاتنها فكانوا هم كذلك من الراسبين ولا حول ولا قوة إلا بالله:
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ
فهؤلاء لم يعملوا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال:
كن في الدُّنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سَبيل
وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول بعد أن سمع هذا الحديث:
إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء و خذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك
من يدريك أيها الأخ المسلم الكريم أنك ستُتم يومك هذا بخير؟ من يدريك أنك ستبقى إلى غد؟ ومن يدريك أنك ستلقى ثانية من تحب؟
إنك ستموت لا محالة فانظر ماذا قدمت لنفسك واذكر أن بعد الموت يأتي الحشر ثم الموقف ثم الحساب ثم الجزاء.. فمن زحزح عن النـار وأدخل الجنة فقد فاز.. فاللهم اجعلنا من الفائزين.. ولا تجعلنا من المطرودين.. اللهم حبب إلينا العمل الدءوب والمسارعة إلى الخير واكتبنا يا ربنا في عداد الصالحين.. اللهم يوم تكتب علينا الموت هون علينا سكراته ويوم تحشرنا إليك يسر علينا حسابك ويوم تدخلنا الجنة اكتب لنا رؤيتك وصحبة نبيك ولقاء أحبتك.
اللهم أيد أمير المؤمنين سيدي محمد السادس وأعنه يا رب على إعلاء كلمتك ونصرة دينك والسير ببلادك نحو الخير والرقي والسعة على سائر عبادك. اللهم قو دائرته بالصادقين المخلصين وأسعده يا ربنا بولي عهده وفلذة كبده زيادة في الإسلام وقلعة من قلع الدفاع عن الدين. اللهم انصر من نصر الدين واخذل من خذل الإسلام والمسلمين، وحرر اللهم بيت المقدس من قبضة الصهاينة المجرمين.. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرحيم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.