الانتفاع بالفراغ
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى ونشكره ونستعين إياه ونستغفره ونشهد أنه الله الذي لا إله غيره أنبأنا بهول وحقيقة الحساب يوم القيامة فقال جل شأنه:
وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا .. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا وإمامنا محمدا عبد الله ورسوله، حذَّرنا من مغبة هذا الحساب فقال صلى الله عليه وسلم:
لا تزولُ قَدَما عَبْدٍ يَوْمَ القيامَةِ حتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فيما أفْنَاهُ
أما بعد فيا أيها الأحبة الأبرار كثير منا يختار السَّفَرَ لقضاءِ عطلته وملء فراغ وقته وهذا في حد ذاته شيء مطلوب لأن التأمل في خلق الله والسياحة في أرضه سبيل واضح لتنمية معرفة العبدِ بربه
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ .. وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ .. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
فالخروج إذن من السآمة والمَلَلِ والضيق للتأمل في خلق الله أو طلب العلم أو صلة الرحم أمر ممدوح لا غبار عليه خصوصا وأن القلوب تمل كما تمل الأبدان وبَعدَ العناء والتعب تميل النفوس إلى تغيير الجو والخلود للراحة حتى يعود الطالب إلى مقعد دراسته بهمة وقَّادة والموظف المخلص إلى عمله بعزيمة وثَّابة وهذا أمر موجود عندنا في السيرة النبوة الشريفة..
فقد شاهد النبي الحبشة يلعبون بحرابهم داخل المسجد فقال:
لَتَعْلَمُ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ
فالإسلام بهذا عباد الله يكون هو دينُ السماحة والفطرة.. وكذلك أيضا دينُ الوسطية والتوازن حقا..
وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا
ولا غرو أن ذلك كان من حذو السلف الصالح لهذه الأمة فقد كانوا يروحون عن أنفسهم بالمباح من اللهو إلا أنهم لم يكونوا يتخذون من ترويحهم هذا هدفا لذاته بل يجعلون منه وسيلةً لتجديد الهمة وتصحيح النية من أجل عمل أفضلَ وإنتاج وأكمل.. ثبت فعلا عن أصحاب محمد أنهم كانوا يتبارزون بالبطيخ فإذا جد الجِدُّ كانوا هم الرجال.. قال عمر رضي الله عنه:
كَانَ القَومُ يَضْحَكُونَ وَالإيمَانُ في قُلُوبِهِم أَرْسَى مِنَ الجِبَالِ تَرْوِيحُهُمْ وَضَحِكُهُمْ لا يُضْعِفَ إِيمَانَهُمْ وَلا يُفسِدُ أَخْلاقَهُمْ
رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ
نفعني الله وإياكم بأسرار كتابه وهداني وإياكم للانتفاع بأنوار أصفى أصفيائه وغفر لي ولكم ولوالدي ووالديكم وسائر عباده وجعلنا جميعا من ملازمي ذكره وشكره وحمده وصلى وسلم وبارك على أكرم رسله..
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين أما بعد، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
نِعمتانِ مَغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس الصِّحةُ، وَالفَرَاغُ
ولهذا نقول إن من خير الناس من لا يُغْبَنُ في وقت فراغه ولا تستولي عليه حالةٌ من حالات ضعفه فيستسلم لهواه وينقاد لشهواته فإذا به يرد المهالك.. قال عمر رضي الله عنه:
اعْقِدُوا هَذِه النُّفُوسَ عَنْ شَهَوَاتِهَا فَإِنَّهَا تَنْزِعُ إِلى شَرِّ غَايَة. إِنَّ هَذَا الحَقَّ ثَقِيلُ وَإِنَّ البَاطِلَ خَفِيفٌ وَتَرْكُ الخَطِيئَةِ خَيْرٌ مِنْ مُعَالَجَةِ التَّوْبَةِ وَرُبَّ نَظِرَةٍ زَرَعَتْ شَهْوَةً وَشَهْوَةِ سَاعَة أَوْرَثَتْ حُزْناً طَوِيلا
فالأصل أيها المسلم الكريم أن ترفه عن نفسك دون إفراط في استهلاك المباح لأن مهمتك الكبرى في هذه الدنيا أن تعبد الله.. والوقت ثمين لا يليق أبدا أن يهدر.. فكيف بمن يَصرف ساعاتِ عمره في ترويحٍ ينتهك به محارمَ الله؟ كيف بمن يقدم الحفلات على الفرائض والواجبات؟ كيف بمن يُمضي وقته في المزاح ويضحك من أحكام الله ويستهزئ بعباده؟! فيا إخوة الإيمان إن الإجازة الصيفية نعمة فإذا لم تستثمر في ترويح مباح وعمل مفيد فإنها تصبح لا قدر اللهُ نقمة. قال الشافعي رحمه الله:
إِذَا لَمْ تَشْغَلْ نَفْسَكَ بِالحَقِّ شَغَلَتْكَ بِالبَاطِلِ
والعطلة لا محالة جزء من العمر تُرْصَدُ فيه الأعمال وتُسَجَّلُ أثناءه الأقوال في انتظار الوقوف للحساب وحذار وقتها أن تكون ممن سيقول
يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ .. يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ .. مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ .. هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ
اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم اغفر لنا الذنوب وكفر عنا السيئات وتجاوز لنا عن الزلات إنك سميع قريب مجيب للدعوات.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وأعل اللهم راية هذا الدين بحولك وقوتك وجبروتك يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لإقامة الدين وتطبيق الشرع الحكيم قرير العين بصلاته مسرورا كل السرور بصلاح ولي عهده.. معتزا بوفاء أسرته وشعبه.
اللهم أنزل بأسك العظيم على المجرمين والحاقدين والمنافقين والملحدين وانصر اللهم إخوتنا المجاهدين في فلسطين وسائر البلاد يا رب العالمين وصل اللهم على هذا النبي الكريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.