الرفق والتيسير في التعامل
الحمد لله رب العالمين نحمده تعالى ونشكره ونستعين إياه ونتوكل عليه ونشهد أنه الله لا إله غيره أرسل نبيه بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله فأرشده إلى التزام الرفق والتيسير في تعامله فقال له وهو أصدق القائلين:
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ
ونشهد أن سيدنا وحبيبنا محمداً عبده ورسوله حثَّنا على الرفق والرحمة والتيسير في جميع الأمور فقال فيما يرويه الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها:
إِنَّ اللّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لاَ يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لاَ يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ
أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون لقد كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم رحمةً وهدى فَوَسِعَ بخُلُقِهِ جميعَ الناسِ سهولةً ورفقاً وكرماً وجوداً حتى في أشد الأوقات وأحلك الظروف. تراه يوم أحد.. شُج في رأسِه وكُسرت رَباعيته فلما قيل له ألا تدعو على المشركين؟ فما هو إلا أن تدفق رفقه وطغت رحمته ففاضت طبيعته العالية بما يلتمس فيه العذر لعدوه ويقول:
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُون
وصدق الله العظيم حين قال:
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ
هكذا أيها الناس تكون القلوب الكبيرة لا تدفعها القسوة إلى عدم التعقل والحلم والرفق. فهي إلى العفو والصفح أقرب منها إلى الانتقام والبطش.. هكذا علمَّنا ربنا عز وجل حين قال لموسى وأخيه:
اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى
قل لي بربك أيها الأخ المسلم الكريم أهناك طغيان أكبر من طغيان فرعونِ موسى الذي ادعى الألوهية؟ ورغم ذلك انظروا إلى وصية ربنا إلى رسوليه..
فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
إن الرجل العظيم كلما ارتفع إلى آفاق الكمال إلا واتسع صدره وامتد حلمه وطلب للناس الأعذار. روى الترمذي وغيره عن أبي هريرة رصي الله عنه قال:
دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ، وَالنَّبيُّ جَالِسٌ فَصَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّداً وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَداً، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النبِيُّ فَقَالَ: لَقَدْ تحجَّرْتَ وَاسِعاً فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَأَسْرَعَ إِلَيْهِ النّاسُ، فَقالَ النَّبِيُّ : أَهْرِيقُوا عَلَيْهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ، أَوْ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرين
هكذا الإسلام أيها الناس وهكذا ينبغي أن يُفهم إذ هذا هو يسر الإسلام.. رفق ولين في الأمر كله حتى وإن بدا غريبا لأول وهلة. فأين نحن من كل هذا؟ أين رفق الآباء بالأبناء والأبناءِ بالآباء؟ أين رفقُ العلماء بالناس وأين احترامُ الناس للعلماء؟ أين رفق المسئولين بمن تحتهم وأين رفق الدعاة بمن يدعونهم إلى الله؟ أليس نبينا القدوة هو القائل:
يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا
فعلى الآباء إذاً أن يلزموا اللين مع أبنائهم وعلى الأزواج أن يحترفوا الرفق مع أزواجهم وعلى أصحاب المسئوليات أن يرفقوا بمن تحت أيديهم فلا يأخذوا إلا بحق، ولا يدفعوا إلا بالحسنى ولا يأمروا إلا بما يستطاع:
لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا
فيا أمة الإيمان، يا أمة الرحمة، يا أمة محمد، إن الحكمة تقتضي منا أمورا لا بد من فقهها والوقوف عندها حتى نبصِرها حقا وهذا ما سنعرض له بعد جلسة الاستراحة ولكم منا أزكى التحية وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين. أما بعد فقد روى الإمام مسلم وغيره عن أمنا عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ
وإن الكلام في الخطبة الأولى ليوجهنا لاحتراف تقبل المتوسط من أخلاق الناس ويدفعنا إلى الرضا بالظاهر من أحوالهم وعدمِ التقصي لسرائرهم كما يقتضي منا قبولَ أعذارهم وغضَ البصر عن هفواتهم.
وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
فعلينا إذاً ألا نتتبع العورات وأن نحملَ كل ما نراه من ريب ظاهر على السلامة وحسنِ النية.. اللهم إذا ثبت العكس فشهد صاحبه على نفسه به متحديا:
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ
فإذا ما وقعت هفوة أو حصلت زلة من أحد فليس من الأدب وليس من الخلق المسارعةُ إلى هتكها والتعجل في كشفها فضلاً عن إفشائها.. متى؟ متى كانت وظيفة المسلم أن يلوك أخطاء الناس فيتتبع عثراتهم ويعمى عن رؤية حسناتهم، وكأنه لا يعرف ولا يرى إلا كفة سيئاتهم؟ أليس في عيوبنا ما يشغلنا عن عيوب الناس؟ وعلى قدر ما يمسك الإنسان نفسه ويكظم غيظه ويملك لسانه تَعْظُمُ منزلته عند الله وعند الناس.
وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ .. وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ .. وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
اللهم صل على محمد وعلى آله كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا وكريم تحب الكرامة فسامحنا. اللهم اجعلنا لك ذكّارين لك خاشعين ولكتابك من التالين المطبقين. اللهم انفعنا بهدي كتابك وسنة نبيك ويسر لنا يا رب طريق الإتباع ولا تجعلنا من أهل الابتداع. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا يا ربنا من الراشدين.
اللهم انصر إخوتنا في فلسطين وفي غيرها من بلاد المسلمين حتى تتحرر من قبضة الظلمة المعتدين. اللهم حرر بيت المقدس من قبضة الصهاينة المارقين وارزقنا فيه صلاة قبل الممات يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك لأمير المؤمنين سيدي محمد السادس العون والتوفيق في كل ما يقوم به لصالح الإسلام والمسلمين. اللهم قيض له البطانة الصالحة التي تبين له الحق وتعينه عليه. اللهم أسعده بولي عهده واجعل منه قرة عين يا رب العالمين. ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما.. آمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولوالدي ووالديكم ولسائر المسلمين ويرحم الله عبدا قال آمين والحمد لله رب العالمين.